الأحد 29 مارس 2026 م - 10 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الاقتصاد العُماني من النمو إلى إعادة تعريف الدور

الأحد - 29 مارس 2026 03:17 م

رأي الوطن

10


تُقاس قوَّة الاقتصادات عادةً بما تُحقِّقه من أرقام نُمو، غير أنَّ هذه الأرقام مهما بدَتْ لافتة، لا تعكس الحقيقة الكاملة لمسار أيِّ اقتصاد؛ لأنَّ الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذا النُّمو وقدرته على تغيير البنية الداخليَّة للاقتصاد نفْسه. فهناك اقتصادات تنمو داخل نفْس الإطار القديم، وأخرى تُعِيد تشكيل نفْسها وهي تنمو، وهو الفارق الَّذي يصنع التحوُّلات الكبرى في موازين القوَّة الاقتصاديَّة عالميًّا. وفي عالم لم يَعُدْ يعترف بالثَّبات، أصبحتِ القدرة على إعادة التموضع السريع وبناء مصادر جديدة للقِيمة هي العامل الحاسم في تحديد مكانة الدول، حيثُ لم تَعُدِ الموارد وحدها كافيةً، ولا حتَّى الاستقرار المالي في حدِّ ذاته، ما لم يتحولْ إلى قاعدة لإنتاج أكثر تنوُّعًا وقدرة على المنافسة، والانعتاق من مصدر وحيد أو رئيس للدَّخل. ومن هذا المُنطلَق يُمكِن النَّظر إلى ما يشهده الاقتصاد العُماني اليوم بوصفه محاولةً واعية للانتقال من مرحلة إدارة الموارد إلى مرحلة صناعة القِيمة، وهي مرحلة أكثر تعقيدًا، وأكثر تأثيرًا في رسم ملامح المستقبل، وهي عنق الزجاجة لتحقيقِ نُموٍّ شامل ومستدام، لا ينعكس على الاقتصاد فحسب، لكن لدَيْه مردود تنموي سياسي واجتماعي أيضًا.

وإذا ما انتقلنا من هذا الإطار العام إلى قراءة ما تحقَّق على أرض الواقع، فإنَّ الأداء الَّذي سجَّلته وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار خلال تنفيذ الخطَّة الخمسيَّة العاشرة، يكشف عن ملامح هذا التحوُّل بصورة عمليَّة، حيثُ تخطَّى النُّمو التوسُّع الرَّقمي التقليدي؛ لِيعكسَ تحسُّنًا في كفاءة الأداء، وإعادة توجيه للأنشطة الاقتصاديَّة نَحْوَ مسارات أكثر إنتاجيَّة، وهو ما يتجلى بوضوح في صعود قِطاع الصناعات التحويليَّة لِيكُونَ أحد أبرز محرِّكات النُّمو، محققًا زيادة من نَحْوِ (3.019) مليار ريال عُماني في عام 2021 إلى قرابة (3.710) مليار ريال عُماني في عام 2025، بنُموٍّ تراكمي يبلغ نَحْوَ (22%)، وبمتوسِّط سنوي يقارب (5%). وفي المقابل سجَّل قِطاع تجارة الجملة والتجزئة نُموًّا من (2.744) مليار ريال إلى نَحْوِ (3.213) مليار ريال خلال الفترة ذاتها، بنسبة نُموٍّ تراكمي تقارب (17%) وبمعدَّل سنوي يبلغ حوالي (3.4%)، بما يعكس استقرار الطلب المحلِّي وتحسن بيئة الأعمال. وتمتدُّ دلالات هذا الأداء إلى قِطاع التصدير، حيثُ ارتفعت الصَّادرات غير النفطيَّة إلى نَحْوِ (6.7) مليار ريال عُماني في عام 2025 مقارنةً بـ(6.2) مليار ريال في عام 2024، مسجِّلةً نُموًّا بنسبة (7.5%)، فيما حقَّقت أنشطة إعادة التصدير قفزةً لافتة بنسبة (20.3%) لِتصلَ إلى نَحْوِ (2.056) مليار ريال، وهي أرقام لا يُمكِن قراءتها بمعزل عن السياق، وإنَّما تعكس اقتصادًا يُعِيد ترتيب مُكوِّناته بشكلٍ متوازن، تتحرك فيه الصناعة والتجارة والتصدير في مسار واحد يُعزِّز من صلابته وقدرته على الاستمرار، وهو تطوُّر يعكس تنامي القدرات الإنتاجيَّة وتحسُّن كفاءة التشغيل، خصوصًا وإذا وضعنا في الاعتبار الأحوال العالميَّة والأزمات خلال تلك الفترة.

إنَّ ما تعكسه هذه المؤشِّرات يكشف ـ بجانب حدود النُّمو الكمِّي وتحسُّن الأداء القِطاعي ـ عن تحوُّل أعمق في فلسفة بناء الاقتصاد، حيثُ تتَّجه المنظومة الاقتصاديَّة نَحْوَ ترسيخ مفهوم التكامل بَيْنَ الإنتاج والتوزيع والتصدير، في صورة تُعِيد تعريف دَوْر كُلِّ قِطاع داخل الكيان الاقتصادي ككُلٍّ؛ فالصناعة لم تَعُدْ تعمل بمعزل عن التجارة، كما أنَّ التوسُّع في الإنتاج باتَ يتَّجه بشكلٍ متزايد ـ بجانب تلبية الطلب المحلِّي ـ نَحْوَ الاندماج في سلاسل الإمداد العالميَّة، وهو ما يظهر في تنوُّع الصَّادرات غير النفطيَّة الَّتي تشمل الصناعات الكيماويَّة والمعادن والمنتجات البلاستيكيَّة والمعدَّات الكهربائيَّة، بما يعكس انتقالًا تدريجيًّا من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأوَّليَّة إلى اقتصاد يصدِّر منتجات ذات قِيمة مضافة أعلى، ويؤكِّد أنَّ المسار الحالي يتخطَّى تحقيق نُموٍّ إلى إعادة صياغة موقع سلطنة عُمان داخل خريطة التجارة الدوليَّة، حيثُ تُصبح القدرة على التصدير والتنافس في الأسواق الخارجيَّة معيارًا رئيسًا لقياس نجاح هذا التحوُّل، وهو ما يضع الاقتصاد أمام مرحلة أكثر نضجًا، تتجاوز فكرة الاكتفاء بتحقيق المؤشِّرات الإيجابيَّة إلى العمل على تثبيت هذا التقدُّم وتحويله إلى حضور دائم في سلاسل القِيمة العالميَّة.

ولعلَّ التحدِّي الحقيقي الَّذي يفرض نفْسه في المرحلة القادمة يرتبط بقدرة الاقتصاد على تحقيق معدَّلات نُموٍّ جديدة، وبقدرته أيضًا على الحفاظ على هذا المسار وتحويله إلى واقع مستدام قادر على المنافسة في بيئة دوليَّة شديدة التعقيد، حيثُ تفرض الصناعات المتقدِّمة ومتطلبات التكنولوجيا والابتكار معايير أكثر صرامة، تجعل من مسألة الاستمرار في هذا الزخم مرهونةً بمدى قدرة المنظومة الاقتصاديَّة على تطوير أدواتها وتعميق محتواها الصناعي ورفع إنتاجيَّتها، إلى جانب تعزيز قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجيَّة بثبات وثقة، وهو ما يعني أنَّ المرحلة المقبلة ستقاس بما يتحقق من أرقام، وبما يُبنى من قدرات حقيقيَّة قادرة على الصمود أمام التقلُّبات، وترسيخ موقع سلطنة عُمان كلاعب اقتصادي يمتلك أدوات التأثير لا مجرَّد المشاركة، ويعكس اقتصادًا يُعِيد تعريف نفْسه في خريطة الاقتصاد العالمي.