الاثنين 30 مارس 2026 م - 11 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أنواع المياه فـي القرآن الكريم «الماء السقيا» «2»

الأربعاء - 25 مارس 2026 12:28 م


أيها القراء الأفاضل.. نستكمل معكم ما تبقى من هذا الموضوع والذي نشر خلال أيام شهر رمضان المبارك.. ونكمل مدارسة (ماء السقيا)، فقد جاء أيضًا بصيغة الفعل الماضي المبني للمجهول، كما في قوله تعالى: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلتَ إِلَيَّ مِن خَير فَقِير) (القصص ـ 24)، وجاء أيضًا بصيغة الفعل الماضي المسند إليه ياء المتكلم كما في قوله تعالى:(قَالَت إِنَّ أَبِي يَدعُوكَ لِيَجزِيَكَ أَجرَ مَا سَقَيتَ لَنَا ..) (القصص ـ 25)، وجاء اسم مصدر متصل به ألف التأنيث المقصورة، كما في قوله تعالى:(فَقَالَ لَهُم رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقيَاهَا) (الشمس ـ 13)، ومن هنا جاء هذا اللفظ في القرآن الكريم بتراكيب مختلفة مجردة ومزيدة، ومضافًا إليها ومجردة من الإضافة، والذي يعني بحثنا هنا هو ماء حول الماء الذي هو سقيا وأنزله الله تعالى، يقول ابن عطية:(وهذا من جملة التنفيس والعرب تقول: أسقى وسقى بمعنى واحد، فجاء باللغتين، وقال أبو عبيدة: أما إذا كان من سقي الشفة خاصة فلا يقال إلا سقى، وأما إذا كان لسقي الأرض والثمار وجملة الأشياء فيقال: أسقى، وأما الداعي لأرض أو غيرها بالسقي، فإنما يقال فيه: أسقى) (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لان عطية 3/‏‏357).

وقد انحصر ذلك في قوله تعالى:(فَأَنزَلنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء فَأَسقَينَاكُمُوهُ..) (الحجر ـ 22)، وقوله تعالى:(وَأَنزَلنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء طَهُورا، لِّنُحيَ بِهِ بَلدَة مَّيتا وَنُسقِيَهُ مِمَّا خَلَقنَا أَنعَما وَأَنَاسِيَّ كَثِيرا) (الفرقان 48 - 49]، وقوله تعالى:(وَأَلَّوِ ٱستَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسقَينَاهُم مَّاءً غَدَقا، لِّنَفتِنَهُم فِيهِ..) (الجن 16 - 17]، وقوله تعالى:(وَجَعَلنَا فِيهَا رَواسِيَ شَمِخَات وَأَسقَينَاكُم مَّاء فُرَاتا) (المرسلات ـ 27)، والسَّقْيُ: معروفٌ، والاسْمُ السُّقْيَا. والمَسْقى: وَقْتُ السَّقْيِ. والاسْتِقاءُ: الأخْذُ من البِئر. والإِسْقَاءُ: أنْ تَجْعَلَ له نَهرًا أو ماءً سُقْيًا، قال اللهُ ـ عَزَّ اسْمُه:(وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً)، وسَقى وأسْقى: بمعنىً. وأسْقَيْتُه: دَعَوْتُ له بالسُّقْيا، وكَمْ سِقْيُ أرْضِكَ: أي كم حَظُّها من الماء، والسِّقَايَةُ: المَوْضِعُ الذي يُتَّخَذُ فيه الشَّرَابُ في المَوَاسِمِ.. وغيرِها، والسِّقَايَةُ في القُرْآنِ: الصُّوَاعُ الذي يَشْرَبُ فيه المَلِكُ، والساقِيَةُ: من سَوَاقي الزَّرْعِ وغيرِه، والمِسْقَاةُ: ما يُتَّخَذُ للجِرَارِ والأكوازِ تُعَلَّقُ عليه) (المحيط في اللغة 5/‏‏472).

وحول المعنى العام يقول الطبري في تفسيره (17/‏‏ 88): (وقوله: «فَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ» يقول تعالى ذكره: فأنزلنا من السماء مطرًا فأسقيناكم ذلك المطر لشرب أرضكم ومواشيكم ولو كان معناه: أنزلناه لتشربوه، لقيل: فسقيناكموه، وذلك أن العرب تقول إذا سقت الرجل ماء شربه أو لبنا أو غيره: سقيته بغير ألف إذا كان لسقيه، وإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته، قالوا: أسقيته وأسقيت أرضه وماشيته، وكذلك إذا استسقت له، قالوا:(أسقيته واستسقيته)، وقوله:(وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) يقول: ولستم بخازني الماء الذي أنزلنا من السماء فأسقيناكموه. فتمنعوه من أسقيه، لأن ذلك بيدي وإليّ، أسقيه من أشاء وأمنعه من أشاء، كما حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال سفيان: (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) قال: بمانعين، والفرق بين السقي والشرب أن السقي بذل المشروب، والشرب: استعمال المشروب، فصار الساقي باذلاً، والشارب مستعملاً) (النكت والعيون للماوردي 3/‏‏156)، وقيل:(معناه: حافظين له بالشّكر، وقيل: هو إشارة إلى ما أنبأ عنه قوله «أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوه»ُ) (المفردات في غريب القرآن، ص280)، ويقول صاحب (مفاتيح الغيب 19/‏‏ 135):(فِيهِ مَبَاحِثٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَاءَ الْمَطَرِ هَلْ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ يَنْزِلُ مِنْ مَاءِ السَّحَابِ؟ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحَابِ كَيْفَ أَطْلَقَ اللَّهُ عَلَى السَّحَابِ لَفْظَ السَّمَاءِ؟ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَيْسَ السَّبَبُ فِي حُدُوثِ الْمَطَرِ مَا يَذْكُرُهُ الْفَلَاسِفَةُ بَلِ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ يُنْزِلُهُ مِنَ السَّحَابِ إِلَى الْأَرْضِ لِغَرَضِ الْإِحْسَانِ إلى العباد، كما قال هاهنا: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ مَا كَانَ فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ وَمِنَ السَّمَاءِ أَوْ نَهْرٍ يَجْرِي أَسْقَيْتُهُ أَيْ جَعَلْتُهُ شُرْبًا لَهُ، وَجَعَلْتُ لَهُ مِنْهَا مَسْقًى، فَإِذَا كَانَتِ السُّقْيَا لِسَقْيِهِ قَالُوا سَقَاهُ، وَلَمْ يَقُولُوا أَسْقَاهُ). والله أعلم.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]