الأحد 29 مارس 2026 م - 10 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

تعدية الفعل بحرف الجر ودوره الدلالي.. «يسارعون فـي» و«سارعوا إلى» نموذجا «4»

الأربعاء - 25 مارس 2026 12:27 م
10

عزيزي القارئ.. نواصل معك تكملة للموضوع والذي نشر خلال شهر رمضان المبارك..

ولم يقل: (يسرعون) وإن قرئ به؛ لأنه لا يبرز التنافس، والمسارعة، والسباق المحموم الذي لا يعرف الكلال، ولا يتطرق إليه الملال، وهو متواصل، متتابع، متنام، متبصر، فيه التنافس الشريف، والسباق العفيف؛ لإرضاء العزيز، الحميد اللطيف.

وأولئك الذين يسارعون في الخيرات، إنما يسارعون في الطاعات التي اشترعها الله؛ كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات، وأرفع الغرفات، وقرئ (يسرعون) في الخيرات، أي: يكونون سراعًا إليها، و(يسارعون) على معنى (يسابقون من سابقهم إليها)، فالمفعول محذوف، وهو عارض بالحذف، فكأنهم يسارعون كل الخلق؛ ثم حذف المفعول به، وهو المتنافس معهم في السباق، والمسارعة، وحذف لكثرة المتسارعين، والمتسابقين على تلك الغاية النبيلة، والمقصد الأسنى، وهو رضا الله، ونوال الدار الٱخرة. وتكمن البلاغة في استعمال الفعل «يسارعون في الخيرات» في تلك الاستعارة بالكناية عن الجد، والحرص، حيث يتم تشبيه المسارعة بـ(الركض الواعي، والجري المتبصر، فالجميع يسارع، ويتكفأ، وينهض، ويواصل، وأنفسه تكاد تتقطع في صدره، لكنه يواصل التحدي طاعة، وتسبيحًا، وتحميدًا، وتكبيرًا، وحوقلة، واستغفارًا، وتلاوة للكتاب العزيز، وخدمة للعجزة وكبار السن، واليتامى، والمطلقات، والعوانس، ومن لا يبصر، فهم ينهضون لخدمة كل هؤلاء وهؤلاء دون انتظار شكر، أو ارتقاب مدح، وانتظار ثناء، وكلهم يسعى وربه في باله، أثنى الناس أم لم يثنوا، فهم ماضون في عمل الخيرات، لا يتكاسلون، ولا يملون، وعلى ربهم يتوكلون). والجميل هنا استعمال حرف الحر: «في» الذي تفيد الديمومة، والاستقرار في فعل الخير، والانغماس والاختلاط التام به، والذهاب لعمله في كل بقاع الدنيا حتى من انغماسهم فيه، وانظرافهم في أدائه لموعد تراهم من شدة تداخلهم مع الناس، وتزاحمهم في فعل الخيرات للجميع، كأنك لا تراهم لكونهم قد ظرفوا، ولدخولهم في غمار الخلف فأنت لا تراهم، لكنهم موجودون ومنتشرون، ولله بأعمالهم راجون، وفي ثوابه راغبون، كما أنها تعكس السبق، والتنافس في الطاعات، وهو ما يتفق مع معنى الآية في سورة (الحديد) (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ). فالاستعارة بالكناية، وفيها قد تم تشبيه المسارعة في فعل الخيرات بالجري، والرغبة في الوصول لشيء عظيم، وهدف كريم هو جنات واسعة عرضها فقط السموات والأرض، فكم يكون إذن طولها؟!، وحرف الجر:(في): استخدام حرف الجر «في» بدلًا من «إلى» يدل على تلك المداومة، وهذا الاستقرار والتواصل، والدأب اللحظي، واليومي في فعل الخيرات، وكأنهم في سباق دائم، وتنافس مستمر.

وهذا التنافس، وذلك السبق يشير من خلاله الفعل: «يسارعون» بوزنه الصرفي، ونطقه اللفظي، وفيه التعبير الراقي الواعي إلى التنافس في جنس الخيرات، وهو ما يتفق مع استخدام كلمة: «يسابقون» في آيات أخرى، مثل:(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، ونحوها من ٱي الذكر الحكيم، وفيه يأتي التعبير بالمفاعلة هنا؛ ليحث المؤمن على الجد، والاجتهاد في أعمال الخير كلها، دون توانٍ، أو ملال، أو كسل، فيسعى إليها في أوقاتها الفاضلة كلها، ولا يترك فرصة هنا، أو هناك إلا ويسخرها لعمل الخيرات، ويقدمها لربه وبين يديها سكب العبرات، ورفع الدعوات؛ حتى يقبلها رب الأرضين والسماوات، العالم بصاحبها في الخلوات، والجلوات، ويعلم نبض قلبه، والخلجات.

وقواه قوله تعالى:(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) فيها كذلك الأمر بالمسارعة إلى فعل الخيرات للتوبة، واقترانها بالعاقبة:(وجنة عرضها السماوات والأرض)، وذلك للدلالة على سعة ما أُعدّ الله للمتقين.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]