الأحد 29 مارس 2026 م - 10 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

خطورة نظريات المؤامرة

خطورة نظريات المؤامرة
الأربعاء - 25 مارس 2026 04:21 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

20


ليس أسهل على النَّاس من أن تريحَ عقولها وتستسلم للتبسيط والتسطيح طالما هو متاح. ذلك هو المدخل الأخطر لانتشار الأكاذيب والشائعات والتضليل والزيف وتفسيرات المؤامرة. ومع انتشار وسائل التواصُل وسهولة الوصول للإنترنت عَبْرَ الهواتف المحمولة أصبحتْ ظاهرة تفسيرات المؤامرة طاغية إلى حدٍّ يهدِّد بسلامة عقول البشر ويضرُّ بقدراتهم الذهنيَّة على المدى البعيد. من طبيعة نظريَّات المؤامرة أنَّها تفسِّر الأحداث والوقائع على حسب هوى مُطْلقها، أو هو مَن يتلقَّونها دُونَ تشكيك أو تدقيق. وكُلَّما زاد لجوء البشر للقَبول بتلك التفسيرات التآمريَّة، ضعفتْ قدرة العقول على استيعاب الأمور بالمنطق السَّليم. والنتيجة المتوقَّعة هي تدهْوُر الإدراك والفَهْم، وانعكاس ذلك في قدرة النَّاس على فَهْم واقعهم والعمل على تحسينه نَحْوَ مستقبل أفضل. فنظريَّات المؤامرة تُحيل أغلب الأمور إلى ما «لا يَد لنا فيه»، وهكذا نفقد الإرادة وبَعدها القدرة على مواجهة الواقع على حقيقته وتفادي أضراره.

في أوقات الأزمات الكبرى والصراعات تزيد وتيرة انتشار نظريَّات المؤامرة لأسباب عدَّة. أوَّلها أنَّه في تلك الأوقات يزيد طلب الجماهير على المعلومات والآراء، خصوصًا لتفسير الأمور المعقَّدة الَّتي تتَّسم بها الأزمات والصراعات. وثانيًا، لأنَّ أطراف الأزمات والصراعات يلجؤون إلى إخفاء الحقائق، أو على الأقل التغطية عليها إمَّا للتنصُّل من مسؤوليَّة أو لإلقاء اللَّوم على غيرهم عن طريق التضليل المتعمد. ومن أساليب التضليل القويَّة نشر نظريَّات المؤامرة الَّتي تشوِّه الحقائق وتصرف الأنظار عن الواقع. مع تطوُّر التكنولوجيا أصبحتْ هناك برامج حاسوبيَّة (كمبيوتريَّة) متاحة مجانًا تسهِّل عمليَّات التزييف بشكلٍ هائل، والَّذي أصبح يُسمَّى «الزَّيف العميق». لم يَعُدِ الأمرُ قاصرًا على مدوَّنات مكتوبة تختلق الأكاذيب وتَحْبك الروايات المضلِّلة وتروِّج لنظريَّات المؤامرة. فالقراءة أحيانًا قد تسمح بإعمال العقل ما يكشف الزَّيف ولو قليلًا. إنَّما التزييف الآن بالصوت والصورة والفيديو وأحيانًا بشكلٍ لا يُمكِن المتابع العادي من التفرقة بَيْنَ الحقيقي والكاذب.

لا تقتصر خطورة نظريَّة المؤامرة على التضليل وتزييف الحقائق، وإن كان ذلك الغرض من إطلاقها وترويجها. إنَّما الأهمُّ هو أنَّها تزيح أيَّ تفكير نقْدي من أمامها بسهولة؛ ذلك أنَّ النَّاس ترتاح لِمَا يُصادِف هوًى في نفْسها حتَّى لو بَدَا غير منطقي ولا قابلًا للتصديق. يزيد ذلك من صعوبة إيصال المعلومات الأقرب للدقَّة والآراء المنطقيَّة والتحليل العقلاني السَّليم إلى الشريحة الأوسع من الجمهور. ليس فقط على طريقة أنَّ «العملة الرَّديئة تطرد العملة الجيِّدة من السوق» على اعتبار أنَّ التزييف والتضليل أكثر إثارةً ونظريَّات المؤامرة مريحة. وإنَّما أيضًا لأنَّ الرواية المزيَّفة غالبًا ما تأتي من مصادر غير معروفة، أو على العكس من مشاهير مواقع التواصُل الَّذين لدَيْهم جمهور واسع من المتابعين مهما كانت «تفاهة» المحتوى الَّذي ينشرونه. أمَّا المقابل العقلاني والمنطقي فإمَّا من وسائل الإعلام التقليديَّة الرَّصينة أو ما شابَه. وللأسف الشَّديد، أسْهمَتْ وسائل الإعلام التقليديَّة في الانتشار الواسع لذلك الدَّس المعلوماتي والتضليل بآراء مثل نظريَّات المؤامرة بتخلِّي كثير منها عن مهنيَّتها ومهارتها الصحفيَّة. وانساقَ كثير من وسائل الإعلام وراء ما يُنشَر ويُبَث على مواقع التواصُل بغرض الانتشار. ومع أنَّ تطبيق التكنولوجيا مهمٌّ وضروري لتوسيع قاعدة الجمهور المتلقِّي إلَّا أنَّ ذلك يَجِبُ ألَّا ينسحبَ على المحتوى، بمعنى عدم الانزلاق إلى ترويج المحتوى التَّافِه والمثير لمجرَّد أنَّ «الجمهور يريد ذلك».

في الرُّبع الأخير من القرن الماضي انتشرتْ ظاهرة في الإنتاج السينمائي طغتْ عليها ما سُمِّيت «أفلام المقاولات»، أي محتوى تافِه لكنَّه مثير وواسع الانتشار. وكان مبرِّر المُنتِجِين أنَّ هذا ما يُرضي الجمهور. في تلك الفترة كانت هناك أفلام عالية الجودة والقِيمة من الناحية الفنيَّة والمحتوى الدرامي. بعد سنوات ليستْ بالطويلة اندثرت تلك الأعمال التَّافهة ولم يَعُدْ يذكرها أحد، وبقيَتِ الأعمال الجيِّدة وستظلُّ. ما ينطبق على الفنِّ والإبداع بشكلٍ عام قد لا يكُونُ المثال الأفضل للمقارنة بانتشار المحتوى التضليلي وانتشار نظريَّات المؤامرة. ذلك لأنَّ مخاطر الأخير ليستْ آنيَّة فقط تتعلق بحدَث ينتهي ويزول معه أثَر الدَّس المعلوماتي. بل إنَّ مَن يستسهل عدم إعمال عقله يرتاح أكثر لتفسير ما يستجدُّ من حَوْلِه بالطريقة ذاتها ما يُفاقم من مُشْكلة التخلِّي عن المنطق. الأمر أشْبَه إلى حدٍّ كبير بمَن لا يستسيغ الطِّب والدَّواء، وإن كان مرًّا، فيلجأ للشَّعوذة والسِّحر. وأمثال هؤلاء يصعب إقناعهم بأنَّ ما يفعلونه يضرُّ بهم قَبل غيرهم.

إنَّ مخاطر نظريَّات المؤامرة أنَّها كالسُّوس ينخر في عقل الشعوب والأُمم؛ لأنَّها تؤسِّس لطريقة تفكير لا تنتهي وتتجاوز الغرض الَّذي قصدَه مَن لفَّق التفسير التآمري إلى تشويه قِطاعات واسعة من النَّاس. ومهما كانت درجة التعليم والثقافة لدى المتلقِّين، ستجد مَن هو مقتنع بتفسير المؤامرة ويجادل به بقوَّة. والأخطر أنَّه يسحبه فيما بَعد على كُلِّ ما يواجهه أو يحدُث في محيطه وفي العالم. وكم من أساطير تأسَّستْ على أساس زيف وتضليل أصبحتْ في أيَّامنا هذه تستخدم كمبرِّرات لأفعال كبرى؛ حتَّى إنَّ بعض تلك الأساطير استخدم في تدمير دول وشعوب من قِبل انتهازيين أهدافهم الأساسيَّة اقتصاديَّة أو غير ذلك.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]