•أن يترفعَ البعض من التعليق إعلاميًّا بشأن الخصومات السياسيَّة الإقليميَّة واختلاطاتها الدوليَّة، ويمتنعوا من الظهور في الفضائيَّات والصحف والإذاعات أو على وسائل التواصُل الاجتماعي، فلأنَّهم يتعففون من التورُّط؛ لأنَّهم لا يملكون تصوُّرات دقيقة عنها انتظارًا لجلاء المواقف.
•في هذه الجزئيَّة يكُونُ الحذر والتحسُّس المنصِف روادع أخلاقيَّة ومنطقيَّة تمنعهم من الإدلاء بارائهم، رُبَّما لنقصٍ في المعلومات الَّتي ينبغي أن يستندوا إليها، أو لوجودِ شكوكٍ قويَّة بشأنها.
•إنَّ الخوض بالوقائع يضرُّ الحقيقة عندما لا تتوافر العدَّة المناسِبة للإدلاء المناسِب، ولذلك تضطر وسائل الإعلام المنحازة إلى الاستعانة بمحلِّلين جاهزين، يُرضي التمظهر غرورهم، محلِّلون لا يهمُّهم السقوط في محظور اللَّغط، يُجِيدون اللَّطْم في أيِّ عزاء انتظارًا لمكافأةٍ ما، وهكذا يكُونُونَ قدِ استمرأوا التلوُّث، وإذا كان قد قيل (إنَّ القطط تفرح بعزاء أهلها على أمل الحصول على قطعة لحم)، فهناك الآن العديد من المحلِّلين مستعدِّون للقيام بهذه المهام التسويقيَّة، محلِّلين يخلطون بَيْنَ الحقِّ والباطل يعرضون ألسنتهم للتأجير لأيِّ وسيلة إعلام تُملي عليهم ما ينبغي أن يُدلوا به حسب طبيعة الانحياز الَّذي (يميِّزها).
•هناك الآن سيولٌ من المعلومات المتناقضة والمتضاربة، أو المتجانسة، ولكن بعيدًا عمَّا يجري على الأرض، وهناك أيضًا الكثير من الإنكارات الحقوقيَّة الَّتي يتولى البعض ابتكارها لتشويهِ قِيَمٍ يتحلَّى بها خصوم.
•لا شكَّ، أنَّ التلفيق والافتراء وتصنيع التُّهم تجارة رائجة مع تعدُّد وسائل الاتِّصال والخبرة التقنيَّة الَّتي تستطيع أن تضيفَ، وتحذفَ، وتخلطَ، وتناورَ، وتزعمَ، وتدَّعي، وتذيِّلَ.
إنَّ التاريخ زاخرٌ بالكثير من النصوص الَّتي تدعو إلى الترفُّع عن هذا المنهج غير الشريف، ومع ذلك أخذتْ وصمات مزورة طريقها بالمزيد من الإمعان مدعومةً بضجيج القاعدة الإعلاميَّة المعروفة الَّتي روَّج لها وزير الدِّعاية النازيَّة جوزيف جوبلز، (اِكذب، اِكذب، ثم اِكذب حتَّى يصدقك الآخرون).
•لقد باتتْ هذه التوصية الفاجرة مموِّلًا نشطًا للحرب النفْسيَّة، الأمر الَّذي جعلَها مُشْكلة معرفيَّة بعدَّة رؤوس؛ اعتقادًا بأنَّها مفيدة على الدوام، بَيْنَما تُشير الدلائل إلى سقوطها وخروجها من التداول مع تقديم الأدلَّة الَّتي تنسِفها.
•الاحتدام بَيْنَ الأطراف المتخاصمة يتَّخذ الآن المزيد من التأثير بفعل تعدُّد وسائل النَّشر والإعلام والبث.
•أهدافه إرباك قناعات الرأي العام، ولنَا في التشخيص الطريف الَّذي قاله الأديب الأميركي السَّاخر مارك توين ما يؤكِّد ذلك، إذ يقول (من الممكن أن تسافرَ الكذبة إلى نِصف الكرة بَيْنَما تكُونُ الحقيقة مشغولةً بارتداء حذائها.
•لقد أنتجت هذه المفارقة الطريفة والمؤلمة وما زالت تنتج خرابًا معرفيًّا أخذ ينتشر، ليس فقط داخل قناعات النَّاس البسطاء، بل وضِمن نُخَب معرفيَّة ينبغي أن تتحملَ مسؤوليَّة الالتزام الأخلاقي في الصِّدق والشفافيَّة.
إنَّني ألتقي بالعديد من الأكاديميين والمثقفين وأصحاب رأي وأشاركهم في حوارات ومداولات، وأحرص على أن أصغيَ أكثر من الإدلاء بالرأي، ومن الاستنتاجات الَّتي توصلتُ إليها، وجود أغلبيَّة تأخذ المعلومات على ما فيها من عواهن.
لقد ضربتِ الغلاظة المعرفيَّة الواقع الآن، وباتتْ تستحضر اللَّغط بالمزيد من المقبِّلات الإعلاميَّة من أجلِ استطعام الأكاذيب، الأمر الَّذي ترتَّب عليه المزيد من التضليل وخلَّف وما زال يخلِّف أحكامًا تفتقر إلى المصداقيَّة.
•إنَّ الهرج المعلوماتي يغطِّي في الوقت الحاضر المساحة الأكبر بهدف ترويج قناعات سياسيَّة يُراد لها أن تتصدرَ المشهد، ولذلك لا فرص متاحة أمام المعلومات الصحيحة إلَّا بتحرِّي الدقَّة واللُّجوء إلى المقارنة والتحكيم العقلي ليس إلَّا.
•حقًّا إنَّها مهِمَّة صعبة، لكنَّها تستحق الملازمة، لِكَيْ (لا يصح إلَّا الصحيح).
عادل سعد
كاتب عراقي