دمشق ـ «الوطن»:
في إصدارها الأحدث عن (دار الآداب)، تشرع الكاتبة اللبنانية بسمة الخطيب في مغامرة سردية طموحة، محاولةً القبض على خيوط الزمن المنفلتة عبر روايتها (حائكات الأزل). العمل الذي يمتد على مساحات زمنية هائلة، لا يكتفي برصد التاريخ، بل يعيد صياغته من وجهة نظر (نسوية وجودية)، تجعل من فعل (الحياكة) مرادفًا لفعل (البقاء). تبدأ الرواية بوقفة تأملية في الحاضر، حيث (ندى) الغارقة في حزنها الشخصي وعزلة العالم خلال الجائحة، تجد نفسها أمام لغز (أمانة) مفقودة. هذا المدخل البسيط ظاهريًّا، يتحول إلى بوابة عبور نحو عوالم غارقة في القدم، حيث (بلاد الصدع) التي شهدت تقلبات الطبيعة وقسوة البشر. الرواية هنا تزاوج بين هشاشة الروح وهشاشة الجغرافيا، فالزلزال الذي يضرب الأرض يتردد صداه في تصدعات العائلات والنفوس.
تنتقل الخطيب بالقارئ إلى (قصر الهجران)، حيث الجدة (تانيس) التي صمت لسانها فنطقت أصابعها. تبرز هنا عبقرية النص في تحويل الأدوات المنزلية البسيطة (الإبرة، المغزل، النول) إلى أدوات للمقاومة الثقافية. النسوة في الرواية لا ينسجن الثياب لتدفئة الأجساد فحسب، بل ينسجن (ذاكرة بديلة) تحفظ أسماء المهمشات والمنفيات من كتب التاريخ الرسمي. الحياكة تصبح (نصًّا) مشفرًا، تخفي خلف غرزها حكايات الحب، الفقد، والتمرد. وتوظف الكاتبة تقنية لافتة مستمدة من فن النسيج وهي (صدق القفا)، فكما أن للقطعة المنسوجة وجهًا جميلًا وخلفية مليئة بالعقد والوصلات، كذلك هي سيرة بطلات الرواية. (حائكات الأزل) تغوص في ذلك (القفا) المليء بالأوجاع، لتكشف أن القوة الحقيقية تكمن في تلك العقد المخفية التي تمنح النسيج تماسكه. إنها رواية عن (الرتق)، رتق التمزقات التي خلفتها الحروب، الأوبئة، والظلم الاجتماعي عبر الأجيال.
تتلاقى في الرواية رموز إلهات الخصوبة القديمة مثل (تانيت) مع مآسي النساء في العصر الحديث. هذا الربط الزماني يمنح العمل صفة (الأزلية)، حيث تصبح المعاناة الإنسانية والقدرة على التجاوز خيطًا واحدًا لا ينقطع. بسمة الخطيب تمسك بهذا الخيط ببراعة، متنقلة بين لغة شاعرية مكثفة ووصف واقعي دقيق لتفاصيل الحياة اليومية، مما يجعل القارئ يشعر بأن أبطال الرواية ليسوا مجرد شخصيات ورقية، بل هم أطياف تسكن ذاكرتنا الجمعية.
تنتهي رحلة ندى -ورحلة القارئ- بإدراك عميق بأن (الأمانة) ليست مجرد قطعة قماش نادرة، بل هي استمرارية الحكاية. الرواية تؤكد في ختامها أن الكتابة، تمامًا كالحياكة، هي فعل افتداء وترميم لما أفسده الدهر. إنها دعوة لاسترداد أصواتنا من غياهب الصمت، والاعتراف بأن كل غرزة في ثوب حياتنا هي شاهدة على مرورنا العابر في هذا الكون الشاسع.
بهذا العمل، ترسخ بسمة الخطيب مكانتها كصوت متميز في الرواية العربية المعاصرة، قادرة على تحويل الألم الإنساني إلى فن راقٍ يتسم بالعمق الفلسفي والجمال البصري، ويجعل من «حائكات الأزل» نصًّا مفتوحًا على قراءات متعددة، بقدر تعدد الغرز في ثوب عتيق. أخيرًا جاءت الرواية بـ228 صفحة.