الثلاثاء 24 مارس 2026 م - 5 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

فـي تعلم وتعليم اللغات الأجنبية «1»

فـي تعلم وتعليم اللغات الأجنبية «1»
الثلاثاء - 24 مارس 2026 04:43 ص

أ.د. محمد الدعمي


يبدو أنَّ أوَّل مَن لاحظ أهميَّة تعلُّم وتعليم اللُّغات الاجنبيَّة في تاريخ العالم العربي (بعد بيت الحكمة البغدادي/ على عهد المأمون العباسي) هو: والي مصر المهم «محمد علي باشا» الألباني المولد، الرجُل الَّذي وجد نفْسه حاكمًا لبلدٍ عظيم بعد تعيينه واليًا من قِبل السُّلطان العثماني وإرساله من الاستانة (اسطنبول اليوم) .

وتأسيسًا على ما تقدَّم، وجد محمد علي باشا أنَّ مصر هي بلد غني عظيم، بلد يمتلك كافَّة متطلبات الدَّولة، بل وحتَّى شروط الامبراطوريَّة القابلة للاتِّساع. وبناء على هذا، فقد حرص محمد علي باشا على العناية بأعمدة الدَّولة الأساس، ليس فقط من أجلِ أن يحكمَ الحبيبة مصر، بل من أجلِ أن يخدمَها، ثم يتوسَّع منها خارجًا، كقاعدة توفِّر له كُلَّ ما من شأنه تحقيق طموحاته الفرديَّة والأُسريَّة، الأمر الَّذي يفسِّر عنايته بتأسيس جيش مصري عرمرم يُمكِن الاعتماد عليه للتوسُّع إقليمًا؛ فقام بتأسيس أوَّل كُلِّيَّة للضبَّاط، ناهيك عن ملاحظته أهميَّة تشكيل نخبة من الشبَّان المصريين القادرين على التعاطي باللُّغات الأجنبيَّة، الأوروبيَّة خاصَّة. وهذا ما دفعه إلى تأسيس أوَّل مدرسة للألسن في العالم العربي؛ نظرًا لوعيه بأهميَّة تعلُّم اللُّغات، واعتمادها للابتعاثات ولتدريب كوادر مصريَّة رفيعة قادرة على التعاطي مع الخبراء الأوروبيين الَّذين بقيَتِ الحاجة إليهم ماسَّةً، ما دام هو مصممًا على بناء دولة عظيمة قادرة على التوسُّع، بل وحتَّى على منافسة الامبراطوريَّة العثمانيَّة الَّتي انتدبته واليًا على «هبة النيل. «

وهكذا شكَّلتْ «مدرسة الألسن» المصريَّة أوَّل كُلِّيَّة لُغات رائدة لتعليم اللُّغات الأوروبيَّة، من بَيْنِ سواها من اللُّغات الأجنبيَّة المهمَّة، خدمة لبرامج البعثات ولخطط التنمية الواعدة الَّتي أقْدَم عليها هذا الوالي الرائد الَّذي أطْلقَ النهضة المصريَّة مذاك، محوِّلًا القاهرة وسواها من حواضر مصر إلى أعظم مُدن العالم الَّتي كان الأوروبيون يحلمون بزيارتها أو الاستقرار بها !

ولا رَيْبَ في أنَّ الكادر الَّذي خرَّجته مدرسة الألسن مذاك كان قادرًا على التعامل باللَّغات الأجنبيَّة (الأوروبيَّة خاصَّة)، فقد خدم هذا الكادر حجر زاوية للنهضة والتقدُّم الَّذي أحرزته الشقيقة مصر منذ حقبة محمد علي باشا، ثم حقبة ذريَّته من سلسلة الخديويَّة الَّذين تناوبوا على حُكم مصر وخدمتها أجيالًا حتَّى قيام ثورة 23 يوليو الَّتي أنهت النظام الملكي سنة 1952!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي