الثلاثاء 24 مارس 2026 م - 5 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : نمو يعكس إعادة تشكيل التوازن

الثلاثاء - 24 مارس 2026 02:42 م

رأي الوطن


تعكس الأرقام الأوَّليَّة للناتج المحلِّي الإجمالي لسلطنة عُمان بنهاية عام 2025 ملامح مرحلة اقتصاديَّة تتشكل بهدوء، حيثُ لا يُمكِن قراءة معدَّل النُّمو البالغ (2.3) بالمئة بوصفه رقمًا منفصلًا عن السياق، وإنَّما كجزء من مسار يُعِيد فيه الاقتصاد ترتيب توازنه الداخلي تدريجيًّا؛ فالوصول إلى أكثر من (42) مليار ريال عُماني بالأسعار الجارية يكشف ـ بجانب دلالة الحجم ـ عن قدرة الاقتصاد على الحفاظ على مسار نُموٍّ مستقر في بيئة عالميَّة تتَّسم بالتقلُّب، وتزداد أهميَّة هذا المؤشِّر عند النظر إلى أداء الرُّبع الرابع الَّذي سجَّل نُموًّا بنسبة (4.6) بالمئة، وهو ما يعكس تسارعًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي مع نهاية العام، ويُشير إلى أنَّ الزَّخم لم يكُنْ موزَّعًا بشكلٍ متساوٍ على مدار العام، وإنَّما تصاعد تدريجيًّا، بما يعكس ديناميكيَّة داخليَّة في حركة القِطاعات الاقتصاديَّة. ومن هذا المُنطلَق يُمكِن قراءة هذه الأرقام بوصفها تعبيرًا عن تحوُّل في طبيعة النُّمو، حيثُ أصبح السؤال متعلقًا بحجم النُّمو، وبمصادره واتِّجاهاته، وهو ما يفتح الباب أمام تحليل أعمق لِمَا يحدُث داخل بنية الاقتصاد العُماني، وكيف يُعِيد تشكيل نفْسه في مواجهة المتغيِّرات الإقليميَّة والدوليَّة.

وفي امتدادٍ لهذا التحوُّل في طبيعة النُّمو الَّذي تعكسه الأرقام الإجماليَّة، تكشف تفاصيل أداء القِطاع النفطي خلال الرُّبع الرابع من عام 2025 عن إعادة تشكيل واضحة داخل بنية الطاقة في الاقتصاد العُماني، حيثُ لم يَعُدْ هذا القِطاع كتلةً واحدة تتحرك في اتِّجاه واحد، وإنَّما ساحة لإعادة توزيع الأدوار بَيْنَ مُكوِّناته. فبَيْنَما سجَّل قِطاع الغاز الطبيعي قفزة قويَّة بنسبة (69.2) بالمئة لِيصلَ إلى (858) مليونًا و(700) ألف ريال عُماني، تراجعت قِيمة النفط الخام بنسبة (6.9) بالمئة، وهو تبايُن يحمل دلالات تتجاوز حدود الأرقام، لِيعكسَ تحوُّلًا تدريجيًّا في مركز الثقل داخل القِطاع ذاته؛ فصعود الغاز بهذا المعدَّل يعكس قدرة السَّلطنة على الاستفادة من التحوُّلات العالميَّة في أسواق الطاقة، حيثُ يتزايد الطلب على مصادر أكثر مرونة وأقلّ تقلُّبًا مقارنةً بالنفط الخام، كما يُشير إلى نجاح السياسات المرتبطة بتعظيم القِيمة من الموارد الطبيعيَّة عَبْرَ تنويع الاستخدامات والتوجُّه نَحْوَ قِطاعات أكثر استقرارًا. ومن هذا المُنطلَق يُمكِن قراءة هذا التحوُّل بوصفه ترجمة عمليَّة لِمَا أظهرته المؤشِّرات الكُليَّة من تغيُّر في مصادر النُّمو، حيثُ أصبح النُّمو نتيجة توازن جديد داخل قِطاع الطاقة نفْسه، يُعِيد تعريف دَوْره في دعم الاقتصاد العُماني وتعزيز موقعه في خريطة الطاقة الإقليميَّة والدوليَّة.

ولعلَّ الصورة الأكثر وضوحًا لطبيعة هذا التحوُّل تتجلى في أداء الأنشطة غير النفطيَّة، الَّتي واصلتْ تسجيل نُموٍّ بنسبة (4.8) بالمئة، متجاوزةً بذلك وتيرة النُّمو الكُلِّي، وهو ما يعكس انتقال مركز الثقل تدريجيًّا نَحْوَ قِطاعات أكثر تنوعًا داخل الاقتصاد العُماني، حيثُ تصدرتِ الأنشطة الخدميَّة المشهد بنُموٍّ بلغ (6.4) بالمئة لِتصلَ إلى أكثر من (5) مليارات و(431) مليون ريال عُماني، في مؤشِّر يعكس اتِّساع دَوْر قِطاعات مثل السياحة والنقل والخدمات اللوجستيَّة، فيما سجَّل قِطاع الزراعة وصيد الأسماك نُموًّا بنسبة (5.9) بالمئة، بما يُعزِّز من توجُّهات الأمن الغذائي وتطوير سلاسل القِيمة المحليَّة، في حين جاء نُموُّ الأنشطة الصناعيَّة محدودًا عند (0.7) بالمئة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حَوْلَ وتيرة التوسُّع الصناعي وقدرته على مواكبة هذا الزَّخم في بقيَّة القِطاعات، كما يُمكِن قراءة هذا التبايُن داخل الأنشطة غير النفطيَّة بوصفه مرحلة انتقاليَّة تتشكل فيها ملامح اقتصاد أكثر تنوعًا، تتقدم فيه بعض القِطاعات بوتيرة أسرع، بَيْنَما تظلُّ قِطاعات أخرى بحاجة إلى دفعة إضافيَّة لتعزيزِ دَوْرها في تحقيق التوازن الاقتصادي المنشود.

إنَّ قراءة هذه المؤشِّرات في سياقها الأوسع تَقُود إلى استنتاج يتجاوز حدود الأداء السنوي، لِيضعَ الاقتصاد العُماني أمام اختبار المرحلة القادمة، حيثُ تعكس هذه الأرقام ملامح تقدُّم واضح في مسار التنويع الاقتصادي، وتؤكِّد أنَّ التحوُّل أضحى واقعًا بدأتْ تظهر نتائجه في بنية الناتج المحلِّي، إلَّا أنَّ التحدِّي الحقيقي يتمثل في القدرة على تحويل هذا الزَّخم إلى مسار مستدام يرتكز على تعميق القِيمة المضافة، وتوسيع القاعدة الإنتاجيَّة، وتعزيز قدرة القِطاعات غير النفطيَّة على خلق فرص عمل نوعيَّة، بما ينعكس بشكلٍ مباشر على الاقتصاد الحقيقي. كما أنَّ استدامة هذا النُّمو تظلُّ مرتبطة بمدى قدرة المنظومة الاقتصاديَّة على الحفاظ على هذا التوازن الجديد، وتطويره لِيصبحَ أكثر رسوخًا في مواجهة التقلُّبات العالميَّة، بما يُعزِّز موقع سلطنة عُمان في الاقتصاد الإقليمي والدولي، ويؤسِّس لمرحلة تتجاوز تحقيق النُّمو إلى ضمان جودته واستمراريَّته.