الاثنين 16 مارس 2026 م - 26 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

اغتنموا أعظم ليلة عبر الأزمان

الاثنين - 16 مارس 2026 01:02 م

أيها الأحباب.. إن ليلة القدر هي أعظم ليالي العام، بل هي أعظم الليالي على الإطلاق، ليلة مباركة اختصها الله تعالى بفضل عظيم، وجعلها خيرًا من ألف شهر، كما قال سبحانه:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر1 ـ 5)، فهي ليلة نزول القرآن الكريم، (فإنه ذكر أنه نزل في ‌ليلة ‌القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في ‌ليلة ‌القدر من شهر رمضان، ثم أنزل إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما أراد الله إنزاله إليه، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ ملك يسلم على المؤمنين والمؤمنات، سلام ليلة القدر من الشرّ كله من أوّلها إلى طلوع الفجر من ليلتها) (تفسير الطبري 3/‏‏ 445، ط: التربية والتراث).

فأكرم بليلة سلام ورحمة، تتنزل فيها الملائكة بالخير والبركة، وتغمر المؤمنين بالسكينة حتى طلوع الفجر، وقد وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة تبين فضلها ومكانتها، منها قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم:(من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه) (رواه البخاري ومسلم)، وهذا الحديث يوضح أن قيام هذه الليلة بالصلاة والذكر والدعاء سبب لمغفرة الذنوب، وهو فضل عظيم لا يُنال في غيرها من الليالي، كما حث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على التماسها في العشر الأواخر من رمضان، فقالت عائشة ـ رضي الله عنها:(كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) (رواه الترمذي وأحمد.. وغيرهما)، وقد اختلف العلماء في تحديد الليلة بعينها، لكن أكثر الروايات تشير إلى أنها في الليالي الوتر من العشر الأواخر، وأرجى ليلة لها ليلة السابع والعشرين، كما اجتهد في ذلك بعض العلماء، كما ورد عن أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:(والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي ليلة سبع وعشرين) (رواه صاحب المصنف والطبراني في الكبير)، ومع ذلك فإن الحكمة في إخفاء تعيينها أن يجتهد المسلم في العبادة في جميع العشر الأواخر، فلا يقتصر على ليلة بعينها، بل يحييها كلها بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء.

ولهذا ـ إخوة الإيمان ـ فإن ليلة القدر ليست مجرد ليلة عابرة، بل هي فرصة تساوي العمر كله، فهي ليلة تتغير فيها المقادير السنوية، كما قال تعالى:(فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان ـ 4)، أي: يُكتب فيها ما يكون في العام من رزق وأجل وخير وشر. وهي ليلة سلام، يفيض الله فيها على عباده بالرحمة والمغفرة، ويستجيب الدعاء، ويضاعف الأجر، ويعتق رقابًا من النار.

ومن هنا فإنّ إدراك فضل هذه الليلة يدفع المسلم إلى اغتنامها بالاجتهاد في الطاعة، والإكثار من الدعاء، وأعظم ما يُدعى به ما علمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعائشة ـ رضي الله عنها ـ حين قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) (رواه البخاري ومسلم.. وغيرهما)، فهذا الدعاء يجمع بين الاعتراف بفضل الله، والرجاء في عفوه، وهو أنسب ما يُقال في تلك الليلة المباركة.

فهلّموا أيها الأحباب إلى ليلة القدر، هلّموا إلى ليلة القرآن، ليلة المغفرة، ليلة السلام، وهي تاج ليالي رمضان، فمن وفقه الله لقيامها فقد نال خيرًا عظيمًا لا يوازيه خير في الدنيا. ومن حُرمها فقد حُرم الخير كله، لذلك ينبغي للمسلم أن يستعد لها بالنية الصادقة، وأن يخلص قلبه لله، وأن يحييها بالصلاة والقيام والذكر والدعاء، رجاء أن يكون من الفائزين الذين غُفرت ذنوبهم وكتبت لهم الرحمة والرضوان. فهي ليلة العمر التي لا تُعوض، ومن وفقه الله لها فقد فاز فوزًا عظيمًا، فاللهم وفقنا لصيام نهارها، وقيام ليلها وتقبل منا يا كريم العطاء.

د. محمود عدلي الشريف 

 [email protected]