كثيرًا ما نلاحظ أنَّه في صالات المطارات، وممرَّات المستشفيات، وخزائن الصَّالات الرياضيَّة، أصبحتْ ألواح البروتين رمزًا غذائيًّا عصريًّا. وكأنَّها تُعَدُّ ـ إن صحَّ القول ـ بالقوَّة والصحَّة، وكُلُّ ذلك في عبوة أنيقة. بالنسبة للكثيرين، وخصوصًا أصحاب الحياة المهنيَّة المزدحمة، أصبح تناول لوح البروتين بديلًا عن الوجبات التقليديَّة. ولكن يَجِبُ أن أذكرَ هنا أنَّ وراء هذا الغلاف البرَّاق والتسويق، يكمن سؤال مقلق: هل تغذِّي هذه المنتجات أجسامنا؟ أم أنَّنا وقعنا ضحيَّة وَهْمِ الرَّاحة؟
والحقيقة أنَّ هذه المنتجات تسوَّق لنا على أنَّها حلول غذائيَّة متكاملة، ولكن عند التدقيق في تركيبها يكشف عن حقيقة مغايرة. إذ تحتوي على نسبة كبيرة من ألواح البروتين المتاحة تجاريًّا على مستويات عالية من السكريَّات المضافة، والدُّهون المكرَّرة والمنكهات الاصطناعيَّة. وفي بعض الحالات، يضاهي محتوى السكَّر فيها محتوى السكَّر في الحلويات. وقد وجدتْ دراسة استقصائيَّة أجراها باحثون، حلَّلوا فيها أكثر من مئة لوح بروتين، أنَّ ما يقرب من أربعين في المئة منها يحتوي على مستويات سكَّر تضاهي تلك الموجودة في ألواح الشوكولاتة.
الغريب في الأمر، أنَّ هذه الألواح البروتينيَّة تسوَّق في الأساس على أنَّها أغذية مصمَّمة للرياضيين أو الأشخاص الَّذين يمارسون نشاطًا بدنيًّا مكثفًا ـ مثلًا ـ. مع ذلك، فإنَّ معظم المستهلكين الَّذين يشترونها ليسوا رياضيين محترفين يتعافون من تدريبات عالية الكثافة، بل هم موظفون وطلاب ومسافرون. وهنا بالنسبة لهؤلاء، تكُونُ الفائدة الأيضيَّة لمكمِّلات البروتين أصلًا ضئيلة!
والدَّليل على ذلك ما أفردَتْه دراسة حديثة بمجلَّة مختصَّة بالتغذية الرياضيَّة حَوْلَ تأثير مكمِّلات البروتين على الأفراد الَّذين كانوا يحصلون بالفعل على احتياجاتهم اليوميَّة من البروتين. حيثُ لم يجدِ الباحثون أيَّ تحسُّن إضافي في كتلة العضلات أو قوَّتها مقارنةً بالمشاركين الَّذين يتَّبعون نظامًا غذائيًّا يعتمد على الأطعمة الكاملة. كُلُّنا يعي بأنَّ أجسامنا في جوهرها، لها حدود. وبمجرَّد تلبية احتياجات البروتين، فإنَّ الإفراط في تناوله لا يعني تلقائيًّا فائدة إضافيَّة.
طبعًا هنالك جانب آخر يغفل عنه أيضًا وهو العبء الهضمي الَّذي تُسبِّبه بعض المُكوِّنات. فالكحوليَّات السكريَّة، مثل السوربيتول والمالتيتول، والَّتي تُستخدم عادةً لتقليل نسبة السكَّر، معروفة بتسبُّبِها في اضطرابات معويَّة. وقد أظهرتْ دراسات سريريَّة في مجال أمراض الجهاز الهضمي أنَّ هذه المركَّبات رُبَّما تسبِّب الانتفاخ وآلام البطن والإسهال عند تناولها بكميَّات معيَّنة. لذلك من المفارقات أنَّ الوجبة الخفيفة الَّتي تسوَّق حاليًّا على أنَّها خيار صحِّي قد تؤثِّر سلبًا على صحَّة الجهاز الهضمي أحيانًا!
بلا شك هذا لا يعني أنَّ ألواح البروتين ضارَّة بطبيعتها. ففي سياقات محدَّدة قد تفيد. فقد يستفيد الرياضيون الَّذين يمارسون تمارين التحمُّل لفترات طويلة من تناول البروتين بسرعة خلال فترة التعافي. كما وقد يجدها المرضى الَّذين يعانون من ضعف الشهيَّة أو زيادة الاحتياجات الأيضيَّة مكمِّلات غذائيَّة ملائمة. لكنَّ هذه الحالات تُمثِّل سياقات محدَّدة، وليست احتياجات غذائيَّة يوميَّة.
بطبيعة الحال، بالنسبة لمعظم الناس، تظلُّ الاستراتيجيَّة الغذائيَّة الأكثر صحَّة بسيطة للغاية: تناول الطَّعام الطَّبيعي بِنِسَبٍ متوازنة، حيثُ يوفِّر البَيض والأسماك والبقوليَّات والمكسّرات ومنتجات الألبان واللحوم الخالية من الدُّهون كميَّة بروتين كافية لتلبيَّة الاحتياجات اليوميَّة. وعند دمجها مع الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة، فإنَّها تُشكِّل أنماطًا غذائيَّة ترتبط باستمرار بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدمويَّة والسُّمنة.
ختامًا، يَجِبُ فَهْمُ حقيقة ألواح البروتين مع الشوكولاتة أحيانًا، على الرّغم من عبواتها الأنيقة ورسائلها المقنعة، وإدراك أنَّه في عصر مفتون بالحلول السريعة، رُبَّما تكُونُ الفكرة الأكثر جذريَّة في التغذية هي أيضًا الأقدم: ألا وهي أنَّ الصحَّة لا تأتي ممَّا يغلف، بل ممَّا ينمو في المزارع، ويسبح في الماء ويحضَّر بصبر في مطابخ بيوتنا!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي