لقد شرّف الله تعالى بعض الأماكن والبلدان بذكرها في كتابه العزيز، وهذا الذكر من أجل حكم أودعها الله تعالى كتابه العزيز في تلك الأماكن والبلدان . وسأصحبكم ـ أيها الأحبة ـ خلال هذا الشهر الفضيل في رحلة نتدارس فيها بعضًا من تلك الأماكن والبلدان، فلنتابعها معكم .
الاسم الثامن: (البلد الأمين): وقد ذُكر في القرآن مرّةً واحدةً، (وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ) (التين ـ 3)، قوله: (وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ): مكة، يقول:(وهذا البلد الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله، أو يغزوهم. وقيل: الأمين، ومعناه: الآمن) (تفسير الطبري، مرجع سابق 24/ 505).
الاسم التاسع:(الحرم): والجدير بالذكر أن هذا العلم على مكة جاء مقترنا بالآمن في المرتين الوحيدتين المذكورتين في القرآن الكريم، فأما الأولى:( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص ـ 57)، (قَالَ: هِيَ مَكَّةُ وَهُمْ قُرَيْشٌ، وقيل: إن القائل الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك ـ وإنما نحن أكلة رأس، أي: قليلون، أن يتخطفونا من أرضنا، فألقمهم الله الحجر. بأنه مكن لهم في الحرم الذي آمنه بحرمة البيت وآمن قطانه بحرمته) (تفسير الكشاف للزمخشري 3/ 422)، وأما الثانية فقد (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت ـ 67)، قال ابن عباس: (يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها) (المرجع السابق 7/ 231).
الاسم العاشر: (المسجد الحرام): وقد ذكر هذا الاسم وذكر به مكة كلها، وذكر أيضًا وقد به المسجد الحرام بذاته، ومما جاء من الآيات التي تعنى بالمسجد الحرام مكة كلها قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 28)، قال عطاء:(الحرمُ كله قبلةٌ ومسجد، قال:(فلا يقربوا المسجد الحرام)، لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم، قال ذلك غير مرَّةٍ) (تفسير الطبري، مرجع سابق 14/ 191)، ويقول القرطبي: (وهذا اللفظ يطلق على جميع الحرم، وهو مذهب عطاء فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول) (تفسير القرطبي 8/ 104)، وهنا أكتفي بهذا القدر مما ورد من أسماء لمكة (أم القرى) على سبيل العموم.
وإليك ـ أخي القارئ الكريم ـ ما ذكر من أسماء لأجزاء كريمة من أرض الحرم الشريف، وأول ما نستهل به من تلك الأماكن الشريفة:(البيت) ويقصد به المسجد ذاته، وقد ورد ذكر البيت عشر مرات، أولها:( إِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج ـ 26)، (عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة، كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فخفضه إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه، وبقي أساسه، فبوأه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك) (تفسير الطبري، مرجع سابق 3/ 59)، ومعني ما سبق في الآية الثانية من الآيات التي ذكر فيها البيت الحرام، (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة ـ 127)، عن مجاهد وغيره من أهل العلم: أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع. وحملوا ـ فيما حدثني ـ على البراق ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم..) (تفسير الطبري، مرجع سابق 3/ 61).. وللحديث تتمة.
محمود عدلي الشريف