الأربعاء 11 مارس 2026 م - 21 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

لماذا يحمل المجمع الثقافـي اسم السيد طارق بن تيمور؟

لماذا يحمل المجمع الثقافـي اسم السيد طارق بن تيمور؟
الأربعاء - 11 مارس 2026 02:27 م


 إن إطلاق اسم صاحب السمو السيد طارق بن تيمور (1921–1980م) طيب الله ثراه على مجمع ثقافي لا يقتصر على مجرد تخليد اسمه أو تقديم تكريم رمزي لشخصيته، بل ينطوي على دلالات أعمق. ولفهم المعاني الكامنة وراء هذه التسمية، تبدو العودة إلى التاريخ عبر دراستين أكاديميتين تناولتا سيرة السيد طارق بن تيمور مدخلًا مهمًا وضروريًا. فالخطاب الأكاديمي، بطبيعته المتسم بالموضوعية والرصانة، يتيح تناول الشخصيات والأفكار بعيدًا عن التوجيه المسبق، ويمنح القارئ مساحة أوسع للتأمل والاستنتاج. ومن خلال هذا الطرح المتخصص يمكن للقارئ أن يقترب من الإجابة عن سؤال جوهري: لماذا وُصف السيد طارق بن تيمور بأنه (رجل دولة بارز) و(شخصية وطنية محورية)؟ 

لقد تلقى السيد طارق تعليمه في تركيا وألمانيا، وتلقى تدريبًا عسكريًا في الهند، مما أكسبه خبرة متنوعة وثقافة واسعة انعكست على أدائه السياسي والإداري.

وقبل بزوغ فجر النهضة، تولّى السيد طارق بن تيمور مناصب عسكرية وإدارية مهمة، وأسهم في ترسيخ قدر من الاستقرار السياسي وسط بيئة داخلية معقدة، كانت تتسم بتحديات السلطة التقليدية وطبيعة المرحلة التاريخية آنذاك.ورغم تلك التعقيدات، فإن دور السيد طارق بن تيمور السياسي كان فعالاً في فترة مفصلية من تاريخ سلطنة عُمان ، كما برزت لديه ملامح فكر إصلاحي مبكر، قائم على الحوار والانفتاح، وهو ما جعل اسمه يقترن بقيم الاعتدال والرؤية المتوازنة.

ومع انطلاق النهضة المباركة بقيادة الراحل السلطان قابوس بن سعيد المعظم (رحمة الله عليه)، كان سمو السيد طارق بن تيمور، أول رئيس وزراء في العهد الجديد، فأسهم في هيكلة الجهاز الحكومي وبناء اللبنات الأولى لمؤسسات الدولة الحديثة، وكان لذلك أثر واضح في تهيئة الأوضاع الداخلية لمرحلة التحول الشامل. كما لعب دورًا مهمًا في بروز عُمان على الساحة الدولية، إذ ترأس وفد السلطنة إلى الأمم المتحدة عام 1971، وألقى كلمتها الرسمية في لحظة فارقة دشنت حضورها الدولي. إن أدوار السيد طارق بن تيمور تؤكد جميعها أن شخصيته حقًا جمعت بين الحزم السياسي والحكمة في إدارة التحولات (1).

كما أن الموقع المكاني لمجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي، بمؤسساته الثلاث في مرتفعات المطار بمحافظة مسقط، يعكس بجلاء فلسفة الدولة في ترسيخ حضور مركز ثقافي مؤسسي يجمع بين ركائز الوعي الحضاري. ففي هذا الفضاء تتجلى المعرفة عبر المكتبة الوطنية العُمانية بما تحتضنه من ملايين الكتب والمراجع وقاعات القراءة والبحث، ويتجسد التاريخ في هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بوصفها الوعاء الحافظ للذاكرة الوثائقية والأرشيف الوطني، فيما يحضر الإبداع والفن في المسرح الوطني العُماني الذي يشكّل فضاءً رحبًا للعروض المسرحية والفنون الأدائية والفعاليات الثقافية الكبرى.

ومن هنا تتكشف الدلالة الأعمق لتسمية المجمع باسم السيد طارق بن تيمور، إذ لا تقف عند حدود الإجراء الشكلي المتمثل في تخليد الاسم، بل ترتقي إلى فعل ثقافي واعٍ يؤسس لجسر حي يربط الذاكرة الوطنية بمؤسسات المعرفة والإبداع. إنه جسر يجسد رؤية الدولة التي ترى في التاريخ والمعرفة والثقافة والفنون دعائم راسخة تضمن استمرارية مسيرة النهضة وترسّخ آفاق التنمية المستدامة.

(1) لمزيد من التفاصيل راجع كلاً من :

- سعاد بنت عبدالله بيت فاضل . السيد طارق بن تيمور : الطموح السياسي والتحديات الداخلية في عُمان (1937 ـ 1980م) . رسالة دكتوراه ، قسم التاريخ ، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية ، جامعة السلطان قابوس . 2020م .

- يوسف بن عبدالله الغيلان و سعاد بنت عبدالله بيت فاضل . احداث ومسارات في حياة السيد طارق بن تيمور السياسية ( 1937 ـ 1971) . بحث مشترك نشر في مجلة كلية الآداب والعلوم لاجتماعية ( المُحكمة ) ، جامعة السلطان قابوس ، المجلد 12 ، العدد 3 ، 2021م .

د. آسية البوعلي

باحثة وكاتبة عمانية