هناك تحوُّل هادئ يحدُث في الطِّب الحديث، وهو تحوُّل لا يناقش عادةً خارج الأوساط المهنيَّة، ولكنَّه يؤثِّر في حياة الناس العاديين يوميًّا. ما أقصده هنا أنَّ الأمر لا يتعلق بأمراض جديدة أو علاجات جديدة، بل يتعلق بكيفيَّة تفسير الطِّب بشكلٍ متزايد للتجارب الحياتيَّة العاديَّة.
بطبيعة الحال، بُني الطِّب تاريخيًّا لمواجهة الأمراض في أكثر صوَرها وضوحًا. على سبيل المثال، العدوى الَّتي تسبِّب الحمَّى، والإصابات الَّتي تهدِّد الحياة، وحتَّى الأمراض الَّتي تعطِّل بشكلٍ واضح قدرة الجسم على أداء وظائفه. ونعي جميعًا أنَّه كان يُستعان بالأطباء عندما يكُونُ هناك خلَل واضح لا لَبْسَ فيه. وكان دَوْرهم هو تحديد المُشْكلة واستعادة الصحَّة قدر الإمكان!
لكن اليوم، يبدو المشهد الطبِّي مختلفًا! فقَدْ منحتِ التطوُّرات في التشخيص والعلوم الطبيَّة أدواتٍ مذهلة. إذ يُمكِن لفحوصات الدَّم قياس عشرات المؤشِّرات الحيويَّة في غضون دقائق. وتكشف تقنيَّات التصوير، مثل التصوير بالرَّنين المغناطيسي والتصوير المقطعي ـ مثلًا ـ عن التراكيب الداخليَّة للجسم بدقَّة أفضل. لذلك مع مرور الوقت أحدثتْ هذه الإنجازات نقلةً نوعيَّة في الرعاية الصحيَّة وأنقذتْ أرواحًا لا حصر لها. ومع ذلك، فقَدْ خلقتْ أيضًا معضلة جديدة أرى أنَّنا نادرًا ما نهتمُّ بها. فمع ازدياد قدرتنا على اكتشاف الحالات الشاذَّة، يزداد احتمال العثور عليها، حتَّى لدى الأشخاص الَّذين يشعرون بصحَّة جيِّدة!
وما أرمي إليه هنا، هو حقيقة ما أشار إليه حديثًا الباحثون وبشكلٍ متزايد إلى هذه الظاهرة بمصطلح الإفراط في التطبيب. أي أنَّ هنالك توسُّعًا في نطاق التشخيص الطبِّي لِيشملَ مجالات التباين البشري الطبيعي. وهي ليست نتيجة إهمال طبِّي، ولا تعكس أصلًا قصورًا في العلوم الطبيَّة. بل على العكس، فهي تنبع من نجاح الطِّب نفْسه. فعندما تُصبح أدوات التشخيص بالغة الحساسيَّة، سنلاحظ أنَّها بدأت في رصد نتائج قد لا تتطور أبدًا إلى مرَضٍ حقيقي.
لنأخذ مثالًا على ذلك الشعور الشائع بالتَّعب، حيثُ يُعَدُّ التَّعب من أكثر الشكاوى شيوعًا في الممارسة الطبيَّة حَوْلَ العالم. حتَّى أنَّه في كثير من الحالات، يعكس التَّعب واقع الحياة في أيَّامنا هذه، كطول ساعات العمل، والضغط النفْسي، وقلَّة النَّوم، أو ضغوط المسؤوليَّات اليوميَّة. من الناحية الفسيولوجيَّة إذا ما فكَّرنا بالأمر، فهذا التَّعب أصلًا إشارة طبيعيَّة تدلُّ على أنَّ الجسم بحاجة إلى الراحة أو التكيُّف.
ومع ذلك، غالبًا ما يكُونُ التَّعب سببًا لإجراء فحوصات طبيَّة شاملة. وهكذا تُجرى فحوصات مخبريَّة، وتقييمات هرمونيَّة، ودراسات تصويريَّة بحثًا عن اضطراب كامن. وهذا يَقُودنا إلى ما أشارت إليه بعض المجلَّات الطبيَّة وبيَّنتْ أنَّ العديد من هذه الفحوصات لا تكشف في النهاية عن أيِّ تفسير مرضي. وعليه قد يكُونُ التَّعب ببساطة استجابة الجسم لعوامل نمط الحياة والبيئة، وليس دليلًا على مرَض.
حتَّى مفهوم الشيخوخة نفْسه باتَ يُصاغ بشكلٍ تدريجي كمُشْكلة طبيَّة، مع أنَّه عمليَّة بيولوجيَّة طبيعيَّة تتَّسم بتغيُّرات تدريجيَّة في وظائف الأعضاء. ومع ذلك، نلاحظ كيف أنَّ الثقافة المعاصِرة تصوِّره كمُشْكلة يَجِبُ تصحيحها أو عكسها. وتُقدَّم علاجات مكافحة الشيخوخة، والإجراءات التجميليَّة، والتدخلات الهرمونيَّة، بشكلٍ متزايد على أنَّها حالات طبيَّة تتطلب علاجًا!
في نهاية المطاف، ما أريد أن أؤكدَ عليه هنا هو أنَّ الطِّب لا يهدف إلى القضاء على كُلِّ انحراف عن القياسات البيولوجيَّة الطبيعيَّة، بل إلى تخفيف المعاناة والحفاظ على الوظائف لذلك الفرد عندما يكُونُ المرض موجودًا!
ختامًا، أجزم هنا ونحن في هذا العصر، أنَّنا لا نحتاج فقط إلى المعرفة العلميَّة، بل أيضًا إلى الحكمة السريريَّة. يَجِبُ أن تتوازنَ القدرة على اكتشاف الحالات الشاذَّة مع القدرة على تحديد متى تُمثِّل هذه الحالات مرضًا؟ ومتى تعكس ببساطة حياة ذلك الإنسان؟ وحقيقة وفي كثير من الحالات، تكُونُ أكثر الكلمات طمأنينة الَّتي يُمكِن أن تقدِّمَها لأيِّ فرد، وأبسطها: أنْتَ بخير!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي