أيها الصائمون.. وتتابع رحلتنا مع أنواع الماء في القرآن الكريم، واليوم نتناول نوعًا جديدًا من الماء وهو الماء الذي وصفه المولى عزوجل بأنه مبارك، قال تعالى:(وَنَزَّلنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء مُّبَارَكا فَأَنبَتنَا بِهِ جَنَّات وَحَبَّ ٱلحَصِيدِ) (ق ـ 9)، والجدير بالذكر أن الله تعالى ذكر هذا الوصف في كتابه العزيز مرة واحدة فيما وصف به الماء، ومعنى مباركًا من البركة:(وَبَارك اللهُ الشَّيْء، وَبَارك فِيهِ، وَعَلِيهِ: وضع فِيهِ الْبركَة)، وَفِي التَّنْزِيل:(أَن بُورِك من فِي النَّار وَمن حَوْلها)، فالبَرَكة: النَّمَاء وَالزِّيَادَة، والتَّبريك: الدُّعَاء بِالْبركَةِ، وَقَوله تَعَالَى، يَعْنِي الْقُرْآن:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة) جَاءَ فِي التَّفْسِير أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر، نزل فِيهَا جملَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ نزل على رَسُول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شَيْئًا بعد شَيْء، وَطَعَام بَرِيكك: مبارَك فِيهِ) كذا في (المحكم والمحيط الأعظم 7/ 23)، يقول ابن عطية: قوله تعالى:(ماءً مُبارَكًا) قيل: يعني جميع المطر، كله يتصف بالبركة وإن ضر بعضه أحيانًا، فقيه مع ذلك الضر الخاص البركة العامة، وقال أبو هريرة: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا جاء المطر فسالت الميازيب قال:(لا محل عليكم العام)، وقال بعض المفسرين: (ماءً مُبارَكًا يريد به ماءً مخصوصًا خالصًا للبركة ينزله الله كل سنة، وليس كل المطر يتصف بذلك) (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 5/ 158).
(أنزل الله لخير العباد في صحتهم وزراعتهم ماءً مباركًا طيّبًا ينبت به لهم الكلأ والزرع والشجر، ويغسل الجو من الغبار والجراثيم، فإله خالق هذا شأنه، ومنعم متفضل هذا ديدنه، هو المستحق للعبادة والخضوع والانقياد له لأنه مصدر الخلق والتكوين والرزق) (التفسير الوسيط، الزحيلي 1/ 17)، قال الشافعي: أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن عبد الله بن الهاد:(أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا سال السيل يقول اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورًا فنتطهر منه، ونحمد الله عليه)، وأخبرني من لا أتهم عن إسحاق بن عبد الله أن عمر كان إذا سال السيل ذهب بأصحابه إليه، وقال ما كان ليجيء من مجيئه أحد إلا تمسحنا به، وبلغنا (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتمطر في أول مطرة حتى يصيب جسده)، وروي عن ابن عباس: أن السماء أمطرت فقال لغلامه: أخرج فراشي، ورحلي يصيبه المطر، فقال أبو الجوزاء لابن عباس: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ فقال أما تقرأ كتاب الله (ونزلنا من السماء ماءً مباركًا) فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي، أخبرنا إبراهيم عن ابن حرملة عن ابن المسيب (أنه رآه في المسجد، ومطرت السماء، وهو في السقاية فخرج إلى رحبة المسجد ثم كشف عن ظهره للمطر حتى أصابه ثم رجع إلى مجلسه) (الأم للإمام الشافعي 1/ 289، ط: الفكر).
فـ(الآيات تثير في النفس شعور الإجلال لعظمة الخالق، الذى بنى السماء بناء محكمًا، وزينها نهارًا وليلًا، ومد الأرض، ورفع الجبال في أرجائها، وأنبت فيها بهيج النبات، وشعور الإعجاب بهذا المطر، ينزل من السماء فيحيى الأرض بعد موتها، وينشئ الجنات ويرفع النخل باسقات، ألا ترى أن شعور الإجلال والإعجاب يدفع إلى الإيمان بقدرة الله على البعث والنشور) (من بلاغة القرآن، ص: 37)، (وفي هذا أيضا منة على المعرضين عن النظر في دلائل صنع الله التي هي دواع لشكر المنعم بها لما فيها من منافع للناس من رزقهم ورزق أنعامهم، ومن تنعمهم وجمال مرائيهم فإنهم لو شكروا المنعم بها لكانوا عند ما يبلغهم عنه أنه يدعوهم إلى النظر في الأدلة مستعدين للنظر، بتوقع أن تكون الدعوة البالغة إليهم صادقة العزو إلى الله فما خفيت عنهم الدلالة. ومناسبة الانتقال من ذكر السماوات إلى ذكر السحاب والمطر قوية) (تفسير ابن عاشور «التحرير والتنوير» 30/ 25).. فاللهم زد لنا فيما باركت فيه من ماء، وأجزل لنا العطاء.
د. محمود عدلي الشريف