قَبل (11) عامًا تقريبًا تحديدًا الاثنين (27 أبريل 2015م) نشرتُ مقالًا بذات العنوان بهذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن)، سأحاول في هذا المقال القيام بعمل بعض المراجعة عليه في ظلِّ التغيُّرات الحاصلة في المنطقة خصوصًا، وفي البيئة الأمنيَّة الدوليَّة بشكلٍ عام، مع الإشارة إلى مقال موازٍ بعنوان «تشظِّي النظام الدّولي» والَّذي هو الآخر نُشِر بهذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن) بتاريخ الاثنين (12 يونيو 2017م)، وهو الآخر إعادة قراءة للمقال الأوَّل.
فما يحدُث اليوم على السَّاحة العالميَّة (الحرب بَيْنَ روسيا وأوكرانيا أو بَيْنَ الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة و»إسرائيل» من جهة وإيران من جهة أخرى، أو بَيْنَ باكستان وأفغانستان، يؤكِّد الاتِّجاه نَحْوَ إعادة بناء النظام العالمي القادم والبنية الأمنيَّة العالميَّة. وحتَّى نختصرَ الموضوع، ونسهِّلَ فَهْمَه وماذا يحدُث؟ وإلى أين نسير؟ سأشرح الأمر بطريقة سهلة على النَّحْوِ الآتي:
نقصد بنظام حُكم الكثرة هو بروز قوى دوليَّة كثيرة تنتزع القوَّة والقدرة على التحكم في بعض مفاصل النظام العالمي؛ بحيثُ تتمكن من التأثير والتغيير في ذلك النظام القائم والَّذي تتصدره الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة فيما يُطْلق عليه بالمركزيَّة العالميَّة، وقد جاء في المقال المنشور في العام 2017م، و»في ظلِّ نظام حُكم الكثرة تتبارى الدول القوميَّة والجماعات دُونَ القوميَّة والمصالح والروابط والعلاقات الخاصَّة العابرة للحدود القوميَّة والمؤسَّسات متعدِّدة القوميَّات فيما بَيْنَها على الموارد والتأييد والولاء في قواعدها»، وقد تركَّزتْ أبرز الأحداث حينها والَّتي تدعم مسار وبداية الاتِّجاه نَحْوَ التشظِّي وتفتيت النظام العالمي «الحالة الخليجيَّة وخروج بريطانيا من الاتِّحاد الأوروبي، وتزايد الخلافات الأميركيَّة الأوروبيَّة».
على أنَّ ما يحدُث اليوم، واستنادًا إلى الواقع المشاهَد، هو أنَّ الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة ما زالتْ قادرةً على الإمساك (بالريموت كنترول) العالمي، وما زالتْ تؤدي الدَّوْر الأكبر في التأثير في النظام العالمي، بحيثُ لا يُمكِننا الاستمرار في القول بأنَّ العالم اليوم قائم على تعدديَّة محكمة أو حتَّى فضفاضة. فعلى ما يبدو أنَّ المركزيَّة الأميركيَّة ما زالت قويَّة للغاية، وما يحدُث على السَّاحة العالميَّة من عقلانيَّة سياسيَّة تَقُودها روسيا والصين في مواجهة الفوضى الحاصلة يؤكِّد ـ وبما لا يدع مجالًا للشَّك، وبِغَضِّ النَّظر عن مسار الأحداث أو المتغيِّرات القادمة ـ أنَّ الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة ما زالتِ الدَّولة المركزيَّة. وبالفعل ـ كما سبَق التأكيد على ذلك في مقالات سابقة ـ أكدتُ فيها على تحوُّل واضح في المركزيَّة الأميركيَّة في عهد الرئيس الأميركي ترامب. على العموم أستطيع القول استنادًا إلى المعطيات الرَّاهنة أنَّ النظام العالمي المتشظِّي بالفعل خلال الفترة الَّتي سبَقتْ حُكم الرئيس الأميركي ترامب، قد تمكَّن هذا الأخير من إعادة بناء وترميم المركزيَّة الأميركيَّة، ورغم عدم إيماني بهذا الاتِّجاه الَّذي يتناقض مع التقديرات والمعطيات التاريخيَّة السابقة، بالإضافة إلى واقع الحال الَّذي يؤكِّد تفتُّت النظام العالمي واتِّجاهه إلى تعدُّديَّة قطبيَّة فضفاضة في أحسن الأحوال خلال المرحلة القادمة، إلَّا أنَّ الأحداث الحاصلة اليوم على السَّاحة الدوليَّة تبطئ من هذا المسار. وبمعنى آخر، أنَّ الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة في عهد الرئيس الأميركي ترامب تمكنت من كسبِ المزيد من الوقت، وإبطاء التاريخ قليلًا للمحافظة على مكانتها كقوَّة مركزيَّة كونيَّة.
خلاصة القول: إنَّ ولاية ترامب الثانية أسْهَمتْ كثيرًا في تعزيز قوَّة ومكانة الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة، وإكسابها المزيد من الوقت للبقاء كقوَّة مركزيَّة تُمسك بزمام الأحداث على المسرح العالمي. ولعلَّ ما يؤيِّد هذا المسار حتَّى اللَّحظة على أقلِّ تقدير هو الواقعيَّة الصينيَّة الروسيَّة الَّتي ترى عدم التدخل بشكلٍ مباشر في الاضطراب والفوضى الحاصلة في مجال الأمن القومي. فهل ينجح ترامب من خلال سياسة الصَّدمة والفوضى الهادفة إلى ترميم النظام العالمي بما يُحقِّق مصالح الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة كقوَّة مركزيَّة؟
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @