يسجِّل الميزان التجاري لسلطنة عُمان في نهاية عام 2025 فائضًا يبلغ نَحْوَ (6) مليارات و(97) مليون ريال عُماني، مقارنةً بفائض بلغ (8) مليارات و(341) مليون ريال خلال الفترة نفْسها من عام 2024، وهي أرقام تستحقُّ قراءة تحليليَّة؛ فالأصل في المؤشِّر أنَّ الميزان التجاري ظلَّ محتفظًا بفائض واضح يعكس قدرة الاقتصاد العُماني على الحفاظ على موقع مريح في معادلة التجارة الخارجيَّة، وهو عنصر مهمٌّ في استقرار الحسابات الاقتصاديَّة الكُليَّة، وتعزيز الثقة في متانة الاقتصاد الوطني. وفي مثل هذه المؤشِّرات لا يكفي النَّظر إلى الرَّقم النِّهائي بمعزل عن السِّياق؛ ذلك أنَّ فالفائض التجاري في جوهره يعكس العلاقة بَيْنَ الصَّادرات والواردات، ويعكس كذلك طبيعة هيكل الاقتصاد ومدى ارتباطه بتقلُّبات الأسواق العالميَّة. ومن هذا المُنطلَق فإنَّ قراءة تطوُّر الميزان التجاري العُماني خلال العام الماضي تَقُود إلى فَهْمٍ أعمق لديناميكيَّات الاقتصاد الوطني، حيثُ تكشف الأرقام عن تفاعل مباشر مع تحرُّكات أسواق الطاقة العالميَّة، وفي الوقت ذاته تعكس استمرار النشاط التجاري والاستثماري داخل الاقتصاد، وهو ما يجعل هذه المؤشِّرات أقرب إلى مؤشِّر حركة وتحوُّل اقتصادي منه إلى مجرَّد رقم في ميزان الحسابات التجاريَّة.
وتَقُود قراءة تفاصيل الصَّادرات إلى محور أكثر عُمقًا يتعلق ببنية الاقتصاد العُماني نفْسها؛ إذ تكشف البيانات أنَّ إجمالي الصَّادرات السلعيَّة بلغ نَحْوَ (23) مليارًا و(264) مليون ريال عُماني بنهاية عام 2025، مسجِّلًا انخفاضًا بنسبة (7.1) بالمئة مقارنةً بالفترة نفْسها من العام السَّابق. ويرتبط هذا التراجع أساسًا بانخفاض قِيمة الصَّادرات العُمانيَّة من النفط والغاز الَّتي بلغتْ (14) مليارًا و(511) مليون ريال عُماني بتراجع بلغتْ نِسْبته (15.2) بالمئة. هذه الأرقام تعكس التأثير المباشر لتقلُّبات أسواق الطاقة العالميَّة على الميزان التجاري، فاقتصادات الطَّاقة بطبيعتها تتأثر بحركة الأسعار والطَّلب العالمي، وفي المقابل تكشف البيانات عن تطوُّر لافت يتمثل في ارتفاع قِيمة الصَّادرات غير النفطيَّة بنِسبة (7.5) بالمئة لِتصلَ إلى (6) مليارات و(698) مليون ريال عُماني، وهو مؤشِّر يحمل دلالة اقتصاديَّة مهمَّة تتجاوز حدود الرَّقم نفْسه؛ إذ يعكس اتِّساع قاعدة الإنتاج الوطني في قِطاعات الصِّناعة والتَّحويل والتَّعدين والأنشطة المرتبطة بسلاسل القِيمة الصناعيَّة.. هذا التَّحرك في الصَّادرات غير النفطيَّة يُعَبِّر عن مسار تدريجي لتقوية بنية الاقتصاد وتنويع مصادر الدَّخل، حيثُ يتقدم الاقتصاد خطوةً إضافيَّة في مسار بناء قاعدة تصديريَّة أكثر تنوعًا، وهو مسار يكتسب أهميَّة متزايدة في ظلِّ التحوُّلات المتسارعة في الاقتصاد العالمي وأسواق الطَّاقة.
وتكشف البيانات كذلك عن محور مهمٍّ في قراءة حركة التِّجارة الخارجيَّة يتمثل في تنامي نشاط إعادة التَّصدير، حيثُ ارتفعتْ قِيمته إلى نَحْوِ مليارَيْنِ و(56) مليون ريال عُماني بنهاية عام 2025، مسجِّلًا نموًّا بنِسبة (20.3) بالمئة مقارنةً بالفترة نفْسها من العام السَّابق.. هذا التطوُّر يعكس تحسُّن الدَّوْر اللوجستي لسلطنة عُمان في حركة التِّجارة الإقليميَّة والدوليَّة، خصوصًا مع توسُّع البنية الأساسيَّة للموانئ والمناطق الحُرَّة والمناطق الصناعيَّة، وهو ما يُعزِّز موقع عُمان كمحطَّة تجاريَّة تربط بَيْنَ أسواق الخليج وآسيا وإفريقيا، كما تكشف خريطة الشُّركاء التِّجاريين عن حضور واضح لدولة الإمارات العربيَّة المُتَّحدة في مقدِّمة شركاء الصَّادرات غير النفطيَّة وإعادة التَّصدير، حيثُ بلغتْ قِيمة الصَّادرات غير النفطيَّة إليها أكثر من مليار و(311) مليون ريال عُماني، إلى جانب حضور الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة مثل المملكة العربيَّة السعوديَّة والهند والمملكة المُتَّحدة وإيران ضِمن شبكة التَّبادل التِّجاري.. هذه المؤشِّرات تعكس اتِّساع نطاق العلاقات التجاريَّة للسَّلطنة وتنوُّع أسواقها الخارجيَّة، وهو عامل مهمٌّ في تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني أمام تقلُّبات الطَّلب في أيِّ سوق بِعَيْنه.
أمَّا في جانب الواردات، فقدِ ارتفعت قِيمتها إلى نَحْوِ (17) مليارًا و(167) مليون ريال عُماني بنهاية عام 2025 بزيادةٍ بلغتْ (2.7) بالمئة مقارنةً بالعام السَّابق، وهو مؤشِّر يرتبط عادةً بحركة الاقتصاد ونشاطه الإنتاجي والاستهلاكي، فزيادة الواردات غالبًا ما تعكس توسُّع المشاريع الصناعيَّة والإنشائيَّة، وارتفاع الطَّلب على المواد الخام والمعدَّات والسِّلع الوسيطة الَّتي تدخل في عمليَّات الإنتاج، إلى جانب تلبية الطَّلب الاستهلاكي في السُّوق المحليَّة، وتُشير البيانات إلى استمرار حضور الاقتصادات الآسيويَّة الكبرى في هيكل الواردات إلى السَّلطنة، حيثُ تأتي الصين والهند ضِمن أبرز الدول المصدرة إلى عُمان، وهو ما يعكس عُمق الروابط التجاريَّة مع هذه الأسواق. وفي المحصِّلة، فإنَّ قراءة الميزان التِّجاري العُماني تكشف عن مرحلة اقتصاديَّة تتداخل فيها تأثيرات أسواق الطَّاقة العالميَّة مع مسار داخلي يسعى إلى توسيع قاعدة الإنتاج والتِّجارة، وهو مسار يعكس تحرُّك الاقتصاد الوطني نَحْوَ نموذج أكثر تنوعًا ومرونة في مواجهة التحوُّلات الاقتصاديَّة الدوليَّة.