استعرضنا في المقالات السابقة أوقافًا معاصرة تستحق أن توثقَ وتورثَ للأجيال، وقُلنا إنَّنا عندما نقرأ صفحات التاريخ الإسلامي، نقف بإعجاب أمام نماذج وقفيَّة عظيمة صنعت أثرًا باقيًا في حياة الناس، من أوقاف المدارس والمستشفيات، إلى موارد المياه، والمدارس والمكتبات، غير أنَّ الوقف لم يكُنْ يومًا حبيس زمنه، بل فكرة حيَّة تتجدد بتجدُّد حاجات الإنسان والمُجتمع، وتطوُّر وأدوات وأساليب الوقف. واليوم تقدِّم لنا الأوقاف المعاصرة نماذج مميزة لا تقلَّ عظمة عمَّا سطَّره الأوائل، بل يتفوق عليه في بعض جوانبه التنظيميَّة والتقنيَّة ومُقوِّمات الاستدامة. ومن التجارب الوقفيَّة المعاصرة المميَّزة تجربة صاغتها أيادٍ عُمانيَّة، وهذا ليس بغريب، فيُعَدُّ هذا الإنجاز امتدادًا حضاريًّا لحضارة عُمان العريقة الَّتي رصَّتْ لَبِناتها بأيدي شباب عُمان لِتشكِّلَ امتدادًا لحضارة عربيَّة عريقة.. ونحن اليوم أمام وقف حديث وهو وقف الطَّاقة، فقديمًا كانوا يقفون المصابيح والَّتي كانت على شكل أباريق صغيرة تُملَؤ بالوقود لِتنيرَ المسجد أو تنير الغرفة، إلَّا أنَّ توظيف الطَّاقة لإنارة المساكن والمُجمَّعات والمحالِّ وحتَّى إنارة الشوارع والطرقات باتَ أمرًا مهمًّا، وتعتمد الإنارة على الطَّاقة الكهربائيَّة في هذا العصر. وفي السنوات الأخيرة ظهرت صناعات مميَّزة في مجال الطَّاقة وهي صناعة الألواح الشمسيَّة وألواح تجمع أشعة الشمس وتحوِّلها لطاقة كهربائيَّة توظَّف للإنارة وتشغيل جميع الأجهزة الكهربائيَّة من أجهزة تبريد أو إنارة، أو تهوية. وبطبيعة الحال، تشكِّل إنارة المساجد وتبريدها وتدفئتها وتهويتها أمرًا له أهميَّته، فالمسلمون اهتموا بإعمار المساجد والتفنُّن في بنائها وتزيينها وخدمتها تقربًا لله وطلبًا للأجر والثواب، فَهُم ينفقون أموال الوقف الخيري على بناء المساجد وتطويرها وخدمتها. في ظلِّ التحوُّلات العالميَّة نَحْوَ الطَّاقة النظيفة، لم يَعُدِ الوقف الإسلامي في عُمان حبيس النماذج التقليديَّة القائمة على العقار أو التجارة، بل بدأ يشقُّ طريقه نَحْوَ مجالات مبتكرة تجمع بَيْنَ الاستدامة الاقتصاديَّة والأثر الاجتماعي والبيئي. ومن أبرز هذه النماذج الصَّاعدة: وقف الطَّاقة الشمسيَّة.
يُعَدُّ وقف الطَّاقة الشمسيَّة مثالًا معاصرًا على قدرة الوقف على التكيُّف مع متغيِّرات العصر، إذ يَقُوم على استثمار الأصول الوقفيَّة في مشاريع طاقة متجدِّدة تدرُّ عوائد ماليَّة مستدامة، وتُسهم في الوقت ذاته في خفض الانبعاثات الكربونيَّة، وتعزيز الاعتماد على الطَّاقة النظيفة. من التجارب اللافتة في هذا المجال، ما قامت به شركة أمانة لإدارة أموال الأوقاف في سلطنة عُمان عَبْرَ إطلاق برنامج «المساجد الخضراء». ويَقُوم المشروع على تركيب أنظمة الطَّاقة الشمسيَّة فوق أسطح المساجد الوقفيَّة، بهدف تقليل استهلاك الكهرباء من الشبكة العامَّة، وتحويل المساجد من منشآت مستهلكة للطاقة إلى منشآت منتجة لها. لا يقتصر أثَر هذا المشروع على خفض فواتير الكهرباء، وتخفيض مصروفات تشغيل المساجد فحسب، بل يمتدُّ لِيشملَ توليد فائض كهربائي يُمكِن الاستفادة منه في تمويل مصارف الوقف المختلفة، مثل دعم الأنشطة الدينيَّة، أو تمويل برامج اجتماعيَّة وتعليميَّة. وقد نفِّذ المشروع من خلال شراكات مع القِطاع الخاص بنظام استثماري يَضْمن استرداد التكلفة ثم انتقال كامل العائد حقًّا إلى الوقف.
تكمن أهميَّة وقف الطَّاقة الشمسيَّة في كونه يُعِيد تعريف دَوْر الوقف بوصفه فاعلًا تنمويَّا لا مجرَّد أداة إحسانيَّة، ووسيلة لسدِّ احتياجات الفقراء. فالطَّاقة المُتجدِّدة تُعَدُّ من أكثر الاستثمارات استقرارًا على المدى الطويل، بعقود بيع واضحة وعوائد متوقعة، وهو ما يتوافق مع طبيعة الوقف القائمة على حفظ الأصل وتنمية الريع. كما أنَّ هذا النموذج يُعزِّز من حضور الوقف في القضايا العالميَّة المعاصرة، مثل مكافحة التغيُّر المناخي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويظهر مدى انسجام المقاصد الشرعيَّة مع متطلبات العصر.
ويُمكِن تعميم تجربة وقف الطَّاقة الشمسيَّة على مجالات متعدِّدة، مثل المدارس والمستشفيات والمزارع الوقفيَّة، أو حتَّى إنشاء محطَّات شمسيَّة مستقلَّة على أراضٍ وقفيَّة، تُباع كهرباؤها بعقودٍ طويلة الأجل، ويوجَّه ريعها لخدمة التعليم والصحَّة ومكافحة الفقر.
وأرى أنَّ وقْفَ الطَّاقة المتجدِّدة ليس مجرَّد فكرة تقنيَّة، بل هو نقلة نوعيَّة في فِقه الوقف وتطبيقاته، تؤكد أنَّ الوقف القادر على الاستمرار هو الوقف الَّذي يقرأ واقعه، ويستثمر أدوات عصره، ويخدم الإنسان والبيئة معًا، ويسدُّ احتياجات المُجتمع... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@