أيها الصائمون.. لقد أولى القرآن الكريم عناية خاصة بماء الشرب، باعتباره النعمة الكبرى التي لا غنى للبشر عنها، يقول الله تعالى:(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء ـ 30)، وهذه الآية تؤكد أن الماء هو أصل الحياة كلها، وأنه لا وجود للكائنات الحية بدونه.
وقد جاءت مادة شرب في القرآن الكريم بتصريفاتها بين الماضي والمضارع والأمر والمصدر وما اقترن بضمير، حوالي ثمانية عشر مرة، منها ما اقترن بالماء ومنها ما لم يقترن من الماء ولكن يفهم ذلك من السياق، ولا شك أن القرآن الكريم هنا يتحدث عما يصلح شربه من الماء، ألا وهو الماء العذب وهو ماء الشرب الذي يروي الإنسان ويحيي الأرض ويجعلها خصبة. وكما نعلم أن القرآن الكريم ميّز بين الماء العذب والماء المالح الأجاج، فقال تعالى:(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) (الفرقان ـ 53)، وهذا التمييز يبرز عظمة الخالق في جعل الماء على أنواع مختلفة، بعضها صالح للشرب والارتواء، وبعضها الآخر لا يصلح لذلك، لكنه يؤدي وظائف أخرى في الكون، فالماء الفرات هو الذي يشربه الإنسان والحيوان، وهو الذي ينزل من السماء في صورة مطر، فيحيي الأرض بعد موتها، ويجعلها تنبت الزرع وتخرج الثمرات.
(فماء الشرب الذي يحمل الخير للإنسان، ويجعله يعيش في وفرة ورغد، وكذلك الأمر في الماء الذي نشرب منه، كيف أنعم الله علينا وأنزله من السحاب عذبًا طيبًا مستساغًا، ولو شاء لأنزله مالحًا لا نستطيع تذوقه فضلًا عن شربه أو الارتواء به) (الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم، ص147، بترقيم الشاملة آليًا).
ومن هنا يظهر أن ماء الشرب ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل هو نعمة إلهية تستوجب الشكر، لأنه أساس الحياة والرزق، وهنا لفتة: بتأملنا لآيات القرآن الكريم نجد أنه يربط بين ماء الشرب والهداية، فالحديث عن ماء الشرب في القرآن الكريم يفتح أمامنا أفقًا واسعًا للتأمل في دورة الماء في الطبيعة، وكيف جعله الله صالحًا للشرب عبر عمليات التبخير والتكثيف والنزول مطرًا، ثم تسربه إلى الأرض ليخرج عيونًا وينابيع، و(صورة الماء العذب، صورة حسية مألوفة، ولكن الإنسان يغفل عن القدرة الإلهية التي أوجدت الماء الذي هو مصدر الحياة، فتعرض صورته المحسوسة هذه، وصورة أخرى له متخيلة، تقابلها لبيان فضل الله على الإنسان في توفير الماء العذب له، يقول تعالى:(أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) (الواقعة 68 – 70)، وصورة الماء العذب المحسوسة، تقابلها صورته المالحة المتخيّلة، تتفاعلان في السياق عن طريق التجاور في التعبير، والتضاد في التخيل والتأثير، لتحقيق الغرض الديني من التصوير، وهو بيان فضل الله على عباده في إنزال الماء العذب من السحاب، ويترك للإنسان أن يتخيل الصورة الأخرى المحتملة فيما لو نزل الماء ملحًا أجاجًا ليدرك رحمة الله عليه، كما أنّ الصورة تعتمد على نظام العلاقات والروابط بين الصور، فالماء العذب، مرتبط بالمزن في السماء، والمزن أيضًا مرتبطة بالبحار المالحة، لأنها تتكوّن منها بالتبخر، فيتمّ تقطيرها، فتحمل السحب المياه العذبة الصالحة لحياة الإنسان، وهذا ما يوحي به التعبير بـ(لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا) فالصورة للماء العذب، تتواصل ضمن نظام العلاقات السياقية، مع السحاب، والبحار، للإيحاء بهذه الحقائق العلمية، الدالة على القدرة الإلهية، الموجدة لهذه القوانين الطبيعية، لهذا يكثر تصوير السحاب في القرآن الكريم، في مشاهد بديعة موحية ومؤثرة، فترسم حركته في السماء، وهو ينتقل من مكان لآخر، ثم يتجمع بعضه فوق بعض، فيصبح ركاما ضخما كالجبال، فيتحرك وفق مشيئة الله، بهذه الكتل الضخمة، ثم ينزل منه الماء أو البرد) (وظيفة الصورة الفنية في القرآن، ص 219)، هذه الدورة الكونية التي أشار إليها القرآن قبل قرون، تؤكد أن الماء العذب هو أعظم نعم الله على الإنسان، وأن الحفاظ عليه واجب ديني وأخلاقي. وبذلك يظهر أن ماء الشرب في القرآن ليس مجرد عنصر طبيعي، بل هو آية من آيات الله، ودليل على قدرته، ورمز للرزق والبركة، وعلامة على النعيم الأخروي، مما يجعله محورًا أساسيًا في حياة الإنسان الروحية والمادية، كما أنه في الدنيا رمز للحياة والرزق.. فاللهم لك الحمد.
د. محمود عدلي الشريف