يُمثِّل شهر رمضان المبارك في بنيته القِيَميَّة ومنظومته المفاهيميَّة إطارًا منهجيًّا متكاملًا لصناعة التغيير في حياة الإنسان؛ باعتباره مشروعًا تحوليًّا يُعِيدُ تشكيل السلوك، وتهذيب الأخلاق، وتصحيح العادات، وتجديد الفرص، وإعادة بناء القناعات، وتوسيع النظرة التفاؤليَّة والإيجابيَّة إلى الحياة، في مواجهة حالة التشاؤميَّة والسلبيَّة.
ذلك أنَّ الغاية الكبرى من الصوم هي تحقيق التقوى في معناها الشمولي الواسع والعميق، بما تتضمنه من وعي عميق برقابة الله، والتأدب مع الله في القول والفعل والتفكير والتأمل، والرقابة على الذَّات، وضبط السلوك، واستحضار دائم للمسؤوليَّة في أدق تفاصيلها، وهذه الغاية لا تتحقق عَبْرَ الامتناع الشكلي عن الطعام والشراب فحسب، بل من خلال إعادة هيكلة منظومة الدوافع الداخليَّة للإنسان، بحيثُ تنتقل من الاستجابة التلقائيَّة للنزوات والعادات إلى الاستجابة الواعية للمبادئ والقِيَم والموجهات والأوامر والنواهي. ومن هنا فإنَّ رمضان يؤسِّس لمرحلة متقدِّمة في حياة الفرد المسلم عنوانها الوعي والهُوِيَّة والالتزام، وبما يؤصِّله من تحوُّل نوعي في السلوك، قائم على نقل الإنسان من دائرة العفويَّات والممارسات غير المنضبطة إلى دائرة الالتزام والموجّهات المقصودة بإدارة التغيير. فمثلًا، على مستوى السلوك الفردي، يفرض الصوم نظامًا يوميًّا دقيقًا، يُعِيدُ ترتيب الأولويَّات ويضبط إيقاع الحياة اليوميَّة بتفاصيلها، فالامتناع المُحدَّد بزمن، والالتزام بأوقات معلومة، وأداء الصلوات في مواقيتها، وإحياء الليل بالقيام، وملازمة الذِّكر، والانخراط في أعمال البِر، كُلُّها عناصر تشكِّل منظومة إدارة ذاتيَّة واعية، إنَّها محطَّة لمفهومٍ أعمق للإدارة الذكيَّة للزمن الَّتي لا تقتصر على الجوانب التعبديَّة، بل تنعكس على نمط التفكير، وعلى طريقة التعامل مع المواقف اليوميَّة، وعلى القدرة على التحكم في الانفعالات وردود الأفعال ومواجهة الإساءة بالإحسان والتنازل عن الاستحقاقات الشخصيَّة لغرض الإصلاح والتآلف والتكامل.
إنَّ ضبط الجوارح في رمضان من حيثُ: كفُّ اللِّسان عن اللَّغو، وغضُّ البصر، وتجنُّب الغضب، والابتعاد عن السلوكيَّات السلبيَّة والشبهات مهما كانت صغيرة، يشكِّل تدريبًا عمليًّا على إعادة برمجة العادات؛ ذلك أنَّ العادات السلوكيَّة الَّتي تتكوَّنُ عَبْرَ الزمن ولظروف مختلفة قد لا تتغير بقرارات وقتيَّة، وإنَّما تحتاج إلى بيئة داعمة ومنهج واضح وممارسة متكررة. ولا شك فإنَّ رمضان يوفِّر هذه البيئة عَبْرَ تعظيم الوعي الرقابي والرقابة الاستباقيَّة الذَّاتيَّة، وتعزيز الدافعيَّة الروحيَّة، وربط السلوك بمقصد أعظم ألا وهو رضا الله. وبهذا يتحول الصوم إلى مختبر تطبيقي لإعادة تشكيل العادات، بحيثُ تُستبدل حالات الخمول والكسل بالتفاعل والنشاط، والاندفاع والتسرع في الأحكام بالهدوء وضبط النفْس والتروِّي، وأنماط الاستهلاك السلبي المفرط بالاعتدال والانضباط وتقنين الاحتياج واستشعار قِيمة المحافظة على النعمة والفضل.
وعلى مستوى تغيير القناعات وتجديد الثقة وتحسين التصورات، يعمل رمضان على إعادة صياغة المنظور الفكري للإنسان تجاه الحياة، فحين يتدرب الصائم على تأجيل إشباع رغباته في الحصول على الطعام والشراب، فإنَّه يتعلم أنَّ الحياة ليست مجالًا لإشباع الرَّغبات، بل محطَّة ابتلاء واختبار وصبر مسؤوليَّة. هذا التحوُّل في الفهم يُعِيد ترتيب العلاقة بَيْنَ الإنسان وواقعه الَّذي يعيشه؛ فلا يقاس النجاح بحجم الحصول على المكاسب الماديَّة، بل بمدى الالتزام بالمبدأ، والقدرة على الصبر، بحيثُ يتَّسع أُفق النظرة إلى الحياة، ويتراجع المنظور الضيِّق الَّذي يحصر الوجود في دائرة المصالح الفرديَّة أو المكاسب الوقتيَّة. فالصوم بما يحمله من إحساس بالجوع والعطش، يعمِّق الشعور بالآخر، ويوقظ الحسَّ الإنساني تجاه المحتاجين، ويُعِيد توجيه البوصلة من الذَّات إلى الاخر. وعندها تتراجع الأنانيَّات والفردانيَّة والنَّزعات الذاتيَّة لِيقوَى دافع الوعي والشعور الجمعي القائم على التكافل والتراحم والتعاون.
ويُمثِّل رمضان قوَّة دفع نفسيَّة ومعنويَّة مضادَّة للتشاؤم ومشاعر السلبيَّة، فالأجواء الإيمانيَّة المصاحبة للشَّهر، والعبادات والذِّكر، ومضاعفة الأجور بالصدقة والعطاء، وشعور الإنسان بقربه من ربِّه، كُلُّها عناصر تولِّد حالة من الطمأنينة والسَّلام الدَّاخلي، فهي ليست مجرَّد شعور وجداني لحظي، بل استشعار عقدي وفكري، وإدراك أنَّ للحياة بُعدًا أعمق من تعقيداتها اليوميَّة. فحين يدرك الإنسان أنَّ جهده مهما كان محدودًا محسوبٌ عند الله، وأنَّ كُلَّ صبرٍ له أجْر، وكُلَّ إحسانٍ له ثواب، تتبدل نظرته إلى الصعوبات، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة التحدِّيات بروح إيجابيَّة. ولا يُمكِن إغفال أثَر الصوم في تعزيز الشعور بقِيمة الحياة، فالتأمل في نِعَم الله، والشعور بالافتقار إليه، وإدراك محدوديَّة الإنسان ونقصه وقصوره، كُلُّها عوامل تُعِيد ترتيب الأولويَّات وتعمّق الامتنان المقاوِم للسلبيَّة، فيقلِّل من التذمُّر، ويُعزِّز الرضا بما يصنعه من طاقة إيجابيَّة تدفع الإنسان إلى العمل والعطاء بلا توقف وبلا انتظار للشكر من الخلق.
كما أنَّ إعادة برمجة الفكر وأنماط التفكير الَّتي يحدثها رمضان تنطلق من مستوى الوعي المتحقق به، فالصوم ليس تغييرًا وقتيًّا في السلوك؛ بل هو منهج عمل راسخ يعتمد على وضوح الهدف، وتحديد الأدوات، وتقييم الأداء، فمع سعي الصائم وحرصه على تجنُّب ما يفسد صومه، فيجتهد في تحسين أدائه، فإنَّه أيضًا يتعلم عمليًّا مهارات إدارة التغيير: تحديد المخاطر، ومعالجة التحدِّيات، والبحث عن أفضل الممارسات، وإدارة الوقت والجهد، وعليه فإنَّ منهج الإدارة الذكيَّة في الصوم تجسيد عملي لمختلف مجالات الحياة. فالإنسان الَّذي يتدرب على احترام الوقت في عبادته، يصبح أكثر تقديرًا لقِيمة الوقت في عمله، والَّذي يتعلم الإخلاص في صيامه، يكُونُ أكثر كفاءة في إنجازه المهني. والَّذي يتعود على التقييم المراجعة اليوميَّة لسلوكه وتصرفاته وأقواله، يكُونُ أكثر استعدادًا لتقييم أدائه وتصحيح مساره وتزاد ثقته بالتغيير الدروس.
كما يرسِّخ رمضان ثقافة العمل المشترك ويبني مفهومًا أعمق للعلاقات الاجتماعيَّة والاحتواء والارتواء الاجتماعي بَيْنَ أفراد الأسرة ومع مختلف فئات المُجتمع، وبخاصَّة من ذوي الاحتياج والضعفاء ومحدودي الدَّخل والأُسر المعسرة، فالإفطار الجماعي، وصلاة التراويح، وحملات الصدقة، والأنشطة التطوعيَّة، كُلُّها تُعزِّز روح الفريق الجمعي والشعور بالانتماء والمسؤوليَّة المشتركة، فإنَّ هذه الممارسات لا تقتصر آثارها على الشهر ذاته، بل تترك بصماتها في تشكيل وعي جمعي اجتماعي قائم على المشاركة وتقاسم المسؤوليَّة، لِتتشكلَ بيئة مُجتمعيَّة داعمة للتغيير المستدام. كما أنَّ رمضان يؤسِّس لثقافة الوقاية؛ إذ يمنع الصائم نفسه من الوقوع في المحظورات، ويتجنب ما يسيء إلى صومه، وهذه الثقافة الوقائيَّة تُعزِّز الوعي بالقوانين والضوابط، وتشجِّع على الالتزام بالمبادئ، وتدفع نَحْوَ تحمُّل المسؤوليَّة، وعندما تنتقل هذه الثقافة إلى مجال الحياة اليوميَّة، فإنَّها تُسهم في بناء سلوك واعٍ، يحترم الأنظمة، ويقدِّر الحقوق، ويؤدِّي الواجبات.
إنَّ رمضان بذلك يُمثِّل نموذجًا تطبيقيًّا لإدارة التغيير الواعي، واستثماره كمدخل أصيل في إعادة صياغة الذَّات، وتصحيح الصورة الذهنيَّة المشوّهة للحياة، ومواجهة حالة التشاؤم والسلبيَّة والضغوطات والتراكمات بروح الأمل والعمل. فحين يدرك الإنسان أنَّ التغيير يبدأ من داخله، وأنَّ الصوم مدرسة لتوطين النفْس على المسؤوليَّة والانضباط، يصبح أكثر قدرةً على تحويل التحدِّيات إلى فرص، والصعوبات إلى دوافع؛ فإنَّ رمضان، بما يحمله من مبادئ واستراتيجيَّات ومناهج عمل، يؤصِّل لسلوك تنموي راقٍ، ويصنع إنسانًا قادرًا على إدارة ذاته، والمشاركة الفاعلة في مُجتمعه، والمساهمة في بناء وطنه. وبهذا المعنى، يكُونُ الصوم مشروعًا حضاريًّا لإعادة بناء الإنسان، وصناعة التغيير في سلوكه وعاداته وقناعاته، وحمايته من الأنانيَّة والتشاؤم والسلبيَّة، لِيحيَا حياةً سعيدة هانئة متزنة وواقعيَّة.
أخيرًا، فإنَّ التغيير عندما يَقُوم على هذه الخصال، ويدرك هذه المعاني، ويتربع على عرش الإخلاص والعطاء والإنسانيَّة والحُب والإيثار والوحدة والصِّدق، ويتسامى الناس خلاله بتواضعهم وتوادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم وإحسانهم فوق كُلِّ صيحات الاغتراب والأحقاد والكراهيَّات أو الحُريَّات السَّقِيمة الَّتي تسلب حقَّ التأدُّب مع الله وحماية النفْس وصون الأوطان وهيبة رموزها، عندها سيكُونُ التغيير في ثوب ملؤه الحكمة والاتزان ووضوح الهدف وثبات المبدأ بما يَضْمن له الاستمراريَّة والقوَّة في مواجهة المؤثِّرات السلبيَّة الَّتي تثنيه عن مقاصده أو تنحرف به عن وجهته. إنَّنا بحاجة اليوم لأن نصنع من رمضان فرص التغيير الذَّاتي، لِنُعِيدَ صياغة أنفسنا من جديد، وبعثها بشكلٍ يَضْمن احترامنا للحياة ورُقي ممارساتنا فيها، ويضمن حماية أنفسنا وصون قدسيَّة أوطاننا من كُلِّ أسباب الشطط والتسرع في الأحكام، فلْيكُن رمضان مدخلنا لإصلاح أنْفُسنا، وصياغة قالب حياتنا في ثوب الإيمان والمبدأ والضمير، ولَحْن الشهامة والذَّوق، وسلوك متجدِّد ينشر الخير للإنسانيَّة، ويبحث عن التغيير المعزَّز باستراتيجيَّات الوعي المشترك والذَّوق الرَّاقي، لِيَسُودَ عالمنا السَّلام والحُب والوئام.
د.رجب بن علي العويسي