الخميس 05 مارس 2026 م - 15 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أنواع المياه فـي القرآن الكريم .. «بأمر الله يجعله نقمة»

الاثنين - 02 مارس 2026 12:10 م

أيها الصائمون.. حين نتأمل في النص القرآني نجد أنه لم يقتصر على ذكر الماء بصيغة واحدة، فنجد هناك أيضًا الماء المبارك الذي ينزل من السماء فينبت به الزرع ويحيي الأرض بعد موتها، وهو رمز للرزق والخير والبركة (وَنَزَّلنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء مُّبَرَكا فَأَنبَتنَا بِهِ جَنَّات وَحَبَّ ٱلحَصِيدِ) (ق ـ 9)، كما نجد أنواعًا أخرى تحمل دلالات بلاغية وكونية غاية في الروعة والإبداع الإلهي، فمثلًا نجد الماء المنهمر الذي يصف المطر الغزير، والماء المسكوب الذي يصور النعيم الأخروي، حيث الماء يجري بلا انقطاع، والماء المغيض الذي يغور في الأرض فينقص، والماء الآسن الذي يتغير ويفسد.

إنّ هذه الأوصاف ليست مجرد تعبيرات لغوية، بل هي إشارات إلى دورة الماء في الطبيعة التي نراها رأي العين، ونتأمل الماء بحالاته المختلفة التي يراها الإنسان في حياته اليومية، مما يجعل النص القرآني قريبًا من التجربة الإنسانية، وملامسًا لها، ليحي من حيَّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، ونجد في المقابل أن القرآن الكريم قد استعمل صورًا مائيةً بديعة في وصف عذاب أهل النار، مثل ماء الصديد الذي يسقونه في جهنم فلا يكادون يسيغونه، قال تعالى:(وَيُسقَى مِن مَّاء صَدِيد، يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ..) (إبراهيم 16 – 71)، وكذلك الماء الحميم الذي يقطع الأمعاء من شدته، قال تعالى:(..كَمَن هُوَ خَالِد فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَاءً حَمِيما فَقَطَّعَ أَمعَاءَهُم) (محمد ـ 15)، وكذلك الماء المهل الذي يشوي الوجوه والعياذ بالله كالمعادن المذابة، قال تعالى:(.. وَإِن يَستَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلمُهلِ يَشوِي ٱلوُجُوهَ بِئسَ ٱلشَّرَابُ وَسَاءَت مُرتَفَقًا) (الكهف ـ 29).

أيها الصائمون.. إن هذه الصور التي تجعلنا ندرك أن الماء الذي هو سر الحياة يتحول في الآخرة إلى أداة للعذاب، سبحان الله، فتتحقق بذلك العدالة الإلهية، حيث إن النعمة التي أُهملت في الدنيا تصبح نقمة في الآخرة ـ عياذًا بالله ـ وهو الذي يبعث الأمل في القلوب حين ينزل الغيث بعد القحط والجدب، وفي الوقت نفسه نجد الماء هو ذاته الذي يصبح سلاحًا ووسيلة للهلاك، كما في قصة سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ حيث أرسل الله تعالى على قومه ماء (الطوفان)، وأغرقهم الله تعالى بماء منهمر، ثم غيض الماء وقُضي الأمر.

وهذا ما جعلني أتناول هذه السلسلة الرمضانية هذا العام، لنعيش مع الماء وأنواعه في كتاب الله، فالماء في القرآن عنصر مزدوج الدلالة يجمع بين الحياة والموت، وهو نعمة وفي نفس الوقت قد يصبح نقمة، وينزل طهورًا أو فسادًا.

أيها الصائمون .. ومن اللافت للنظر بدهشة أن القرآن الكريم يربط دائمًا الماء بالحياة والبعث، فمن أنواعه ما خلق منه الإنسان، قال تعالى:(ٱلَّذِي أَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلقَ ٱلإِنسَانِ مِن طِين، ثُمَّ جَعَلَ نَسلَهُ مِن سُلَالَة مِّن مَّاء مَّهِين) (السجدة 7 – 8)، وهو الذي يحيي الأرض بعد موتها، فلو تأملنا تنوع أنواع المياه في القرآن الكريم التي تعكس ثراء النص الكريم وإعجازه، فهو يجمع بين البيان البلاغي والدقة العلمية، إذ يميز النص القرآني بين الماء العذب والمالح، وبين الماء الجاري والمخزون، وبين الماء النازل من السماء والماء المستقر في الأرض، وهذه التصنيفات تتوافق مع ما اكتشفه العلم الحديث عن مراحل دورة المياه وخصائصها، مما يؤكد أن القرآن كتاب هداية وإعجاز، يجمع بين الروح والعقل، وبين الإيمان والعلم.

وعبر رحلتنا الرمضانية التي نتدارس فيها الماء بأنواعه، لتتجلى لنا صور الماء في القرآن واضحة جلية وأنها ليس مجرد مادة طبيعية، بل هي لغة بلاغية تحمل معاني الطهارة والرزق والعذاب والبعث، وهي رمز شامل للحياة في الدنيا والآخرة، ومن خلال تنوع أنواعه وأوصافه، يضع القرآن أمامنا لوحة متكاملة عن سر الحياة، وعن مسؤولية الإنسان في شكر النعمة، وعن مصير من أهملها أو كفر بها، وهكذا يصبح الماء في القرآن مرآة للوجود كله، من بدايته إلى نهايته، ومن نعيمه إلى عذابه، ومن طهارته إلى فساده، ليظل دائمًا شاهدًا على عظمة الخالق وإعجاز كتابه.. وإليكم بداية الرحلة في اللقاء القادم.

د. محمود عدلي الشريف 

 [email protected]