الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

بين لحظة تأخر والحنين إلى المعنى

بين لحظة تأخر والحنين إلى المعنى
الاثنين - 02 مارس 2026 05:58 ص

إبراهيم بدوي

10

لا أعرف لماذا تسيطر على ذهني فكرة مفادها أنَّ الأحداث الصغيرة تصنع مصائر كبيرة، لقد سيطرت عليَّ الفكرة لدرجة أنَّني استعدتُ عَبْرَها مشهدًا قديمًا حَوْلَ زحام في موقف سيَّارات الأُجرة في مدينة منشأ والدي، ضيق وقت، ارتباك بسيط، قرار سريع بالاتجاه إلى متجر لأحد الأقارب المجاورين لذلك الموقف العمومي، مشهد عادي لا يحمل أيَّ دراما، لا بطولة فيه ولا تخطيط مسبق، فقط ازدحام دفعني خطوة إلى اليمين بدل أن أكمل طريقي، لكن هناك بدأت حكاية تعارف تحوَّلت إلى زواج دام سبعة عشر عامًا، وأثمر ثلاثة أبناء يملؤون البيت حركة وضجيجًا.. ومعنى، هذا السؤال البسيط يفتح بابًا فلسفيًّا واسعًا بعيدًا عن كون هذا اليوم نعمة أم نقمة؟ لكن نحن نميل إلى تصديق أنَّنا نصنع حياتنا عَبْرَ قرارات كبيرة، فاختيار الدراسة، تغيير الوظيفة، الانتقال إلى مدينة أخرى، استثمار محسوب، نحب سرديَّة الخطَّة المحكمة، نحب أن نظن أنَّ المصائر تُبنى على وعي كامل ورؤية واضحة. غير أنَّ التجربة الشخصيَّة تكشف وجهًا آخر للحقيقة، لحظات خارج إطار الفكر والزمن، تأخير دقائق، لقاء غير مرتب، كلمة قيلت على الهامش، كُلُّ ذلك قد يُعِيد تشكيل المسار بالكامل، كأنَّ الحياة لا تتحرك بالقرارات الكبرى كما نظن دومًا، وإنَّما أيضًا بانحرافات صغيرة في الطريق. وحين وسَّعتُ العدسة قليلًا، وجدتُ أنَّ الأمر لا يخصني وحدي، كم حرب بدأت بحادث محدود؟ كم أزمة ماليَّة انطلقت من خبر لم يحظَ باهتمام كافٍ في يومه الأول؟ كم دولة تغيّر مسارها بسبب قرار إداري ظنَّه صاحبه روتينيًّا؟ فالتاريخ نفسه يبدو كسلسلة من لحظات صغيرة تراكمت حتَّى صارت تحوُّلات كبرى، وشعوب كاملة دفعتها تفاصيل محدودة إلى مسارات جديدة، تصريح، اغتيال، احتجاج محدود، أزمة سيولة، شرارة أولى غيَّرت أقدار الجميع، وفي كُلِّ مرَّة نعود ونكتب الرواية بصيغة كبيرة، ونتحدث عن بطولات قد لا يقصد أصحابها القيام بها، لأنَّنا لو تمحصنا الجذور، سنجدها كانت في نقطة دقيقة لا يلتفت إليها أحد.

ولعلَّ الحرب العالميَّة الأولى خير دليل على ما أقول، كتب التاريخ تؤكد أنَّ اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وزوجته في سراييفو كان سبب الحرب الَّذي دفع النمسا لإعلان الحرب على صربيا في الـ(28) من يوليو 1914، وتدخلت روسيا لدعم صربيا، وأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا ثم فرنسا، وغزت ألمانيا بلجيكا، ممَّا دفع بريطانيا لإعلان الحرب على ألمانيا، لكنَّ الحقيقة أنَّ منظَّمة قرَّرت الاغتيال وفشلت في الصباح، لكنَّ قرارًا بسيطًا لمنفذ العمليَّة باحتساء القهوة في مقهى ما، تصادف أنَّها توجد في شارع قرر سائق الأرشيدوق المرور منه وتغيير مساره لتجنُّب الزحام كانت هي الأسباب الَّتي صنعت حربًا دمَّرت مقدَّرات العالم! فكم من مساراتنا صنعت من لحظات لم نخطط لها؟ نحن نؤمن بالخطَّة، بالميزانيَّة، بالتحليل، بالتوقُّع، ونبني أعمارنا على جداول زمنيَّة وأهداف مرحليَّة، نطمئن إلى الأرقام حين تنضبط، ونشعر بالأمان حين تبدو الصورة واضحة المعالم، وكأنَّ الحياة مشروع يُمكِن إدارته، كثير ممَّا شكَّلنا لم يكُنْ ضِمن الخطَّة، ولم يمرَّ عَبْرَ قنوات التفكير الطويل، وإنَّما جاء في صورة التفاتة أو ظرف طارئ أو لقاء لم يكُنْ على جدول الأعمال، فالتاريخ الشخصي لكُلٍّ منَّا مليء بلحظات لم تُحسب، ومع ذلك كانت أكثر تأثيرًا من قرارات درسناها لسنوات.. إنَّنا نحتاج إلى قدر من التسليم بأنَّ المسار أوسع من قدرتنا على الإحاطة به، وأنَّ الانحرافات الصغيرة الَّتي نظنها عشوائيَّة قد تكُونُ جزءًا من هندسة خفيَّة لا ندركها إلَّا بعد أن تمضي السنوات.

وهنا أجدني أتنقل لرؤية أخرى، تتمحور حَوْلَ ما إذا كان التاريخ نفْسه يُمكِن أن ينحرف بسبب تفصيلة بسيطة، وإذا كانت حياة فرد قد يعاد تشكيلها بزحام غير مقصود، فإنَّنا هنا يَجِبُ أن نتخطى فكرة المصير، ونبحث عن كيفيَّة تعايشنا مع هذا الإدراك، فماذا يفعل الإنسان حين يكتشف أنَّ السيطرة الَّتي يتوهمها طوال حياته محدودة جدًّا، وأن لا يملك من أمر نفْسه شيئًا، وأنَّ الخطط الَّتي يبني عليها يقينه يُمكِن أن تتبدل بقرار لحظي أو مصادفة قد تكُونُ لغيرنا حتَّى، هنا تحديدًا يبدأ البحث عن معنى آخر غير السيطرة.

رُبَّما من هذا الإدراك يتولد الحنين كشعور نصنعه، ليس بوصفه عاطفة ناعمة، وإنَّما كآليَّة داخليَّة لاستعادة التوازن، فأنتَ توصلتَ أنَّك لا تملك مقدَّراتك، لذا يَجِبُ حين تتسارع الوقائع، وتتغير المسارات دون إنذار، أن يجدَ الإنسان نقاطًا يَعُود إليها، يظنها أكثر ثباتًا في ذاكرته، سواء كانت شارعًا قديمًا يعرف تفاصيله، رمضان كان أبطأ إيقاعًا، صوتًا يحمل قدرًا من الطمأنينة قَبل أن تبتلع الضوضاء كُلَّ شيء. الحنين في جوهره ليس رجوعًا إلى الوراء، إنَّه محاولة لترميم شعور بالأمان في عالم يتسارع، ومحاولة لبناء مرجع داخلي ثابت حين تتكشف حدود قدرتنا على الإمساك بالخيوط كُلِّها، حيلة نفسيَّة، تأتي بعد أن نفهمَ أنَّنا لا نملك كُلَّ شيء، نبحث عن شيء ثابت نتكئ عليه. كأنَّ النفْس، بعد أن تعترف بحدود قدرتها على الإمساك بالمستقبل، تَعُود لِتستعيدَ مشاهد من الماضي تمنحها توازنًا مفقودًا.

ما أحاول قوله في تأملاتي السابقة، إنَّنا رُبَّما لا نملك التحكم الكامل في المسار، وإنَّنا لا نملك القدرة على ذلك، لكنَّنا بذكريات مضت قد نملك القدرة على استقبال اللحظة الجديدة الَّتي نرجوها، ورُبَّما في لحظة تأخر جديدة... يولد قدر لم نكُنْ نتخيله بعقولنا المحدودة، قد تأتي اللحظة في صورة ما، أو خبر غير متوقع، أو لقاء لم يكُنْ في الخطَّة، لكنَّها تظل لحظة قادرة على إعادة التشكيل، قادرة على أن تدفعنا خطوة إلى اتِّجاه لم نضعه ضِمن حساباتنا، ثم نكتشف بعد سنوات أنَّه كان الاتِّجاه الَّذي منح حياتنا معناها، ليست الفكرة دعوة لترك التخطيط أو التقليل من قِيمة السعي، وإنَّما إعادة ترتيب لمفهوم السيطرة نفْسه، نحن مطالبون بأن نخطط ونجتهد ونحسب، غير أنَّ علينا في الوقت ذاته أن نترك مساحة لما لا يُمكِن حسابه، لما يتسلل بَيْنَ الجداول الزمنيَّة والقرارات المدروسة، فبَيْنَ ما نرسمه لأنفْسنا، وما يحدُث فعلًا، توجد منطقة رماديَّة تتشكل فيها الحياة الحقيقيَّة، هناك في تلك المساحة غير المتوقعة، تتقاطع الإرادة مع الصدفة، ويتقاطع القصد مع ما لم يقصد، ورُبَّما كان الحنين إحدى الأدوات الَّتي تُعيننا على عبور هذه المنطقة الرماديَّة، إذ يمنحنا إحساسًا بالثبات وسط التغيُّر، ويذكِّرنا بأنَّ في داخلنا نقاط ارتكاز لا تزعزعها التحوُّلات الطارئة، رُبَّما لا نملك التحكم الكامل في المسار، ورُبَّما لن نملكه يومًا، لكنَّنا نملك أن نكُونَ أكثر وعيًا باللحظة حين تطرق أبوابنا، نكُونُ قادرين على أن نستقبلها دون خوف مبالغ فيه، وأن نمنحها فرصة لأن تكشف وجهها الآخر، وأن نفهم الحنين كقِيمة كريمة تحفظ في داخلنا المعنى حين يتبدل كُلُّ شيء، وتمنحنا شجاعة المُضي قُدمًا ونحن أكثر اتزانًا وأقلّ ادعاءً بالسيطرة.

إبراهيم بدوي

[email protected]