الخميس 05 مارس 2026 م - 15 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

ألسُن وحكايات : منتدى أصيلة المغربي.. ضيفا على بحر عمان

ألسُن وحكايات : منتدى أصيلة المغربي.. ضيفا على بحر عمان
الأحد - 01 مارس 2026 06:24 ص

ناصر المنجي

240


لم يكن فوز منتدى أصيلة بجائزة السُّلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال المؤسسات الثقافية الخاصة في الدورة الخامسة والعشرين للجائزة مُفاجئًا لي، فلكم تمنيت أن يفوز المنتدى أو إحدى المؤسسات الثقافية في المدينة بهذه الجائزة، المنتدى الذي يهدف إلى الحوار الفكري عربيًّا ودوليًّا خدمةً للثقافة هو مؤسسة غير ربحية يعملُ على تعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات من خلال الجمع بين نخبة من السياسيين والأكاديميين من العالمين المتقدم والنامي، ولعمري أن الغاية التي تأسس من أجلها المنتدى كفيلة لوحدها للفوز بالجائزة، هذا الفوز المستحق للمنتدى يبدو لي كأنه تحية شكر للراحل محمد بن عيسى رئيس جماعة أصيلة والمشرف على أنشطتها الثقافية الذي رحل عن دنيانا قبل عامٍ تقريبًا، هو الذي سخَّر خبرته وعلاقاته كوزير للخارجية ووزير للثقافة في المغرب لجعل مدينة أصيلة المغربية الصغيرة ذات إشعاعٍ ثقافي عربي وإفريقي وعالمي في مجالات الفن التشكيلي والحوار بين الأديان والثقافات، في سبعينيات القرن الماضي أشرف بن عيسى على تجربة الموسم الثقافي الذي بات يجتذب كل صيف سياحًا يفتنهم البُعد الثقافي والطبيعة الساحلية والعمران ذو الطابع الأنيق والبسيط لمدينة أصيلة، بفوز منتدى أصيلة بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب تلاقت مياه المحيط الأطلسي بمياه بحر عمان، أشرقت شمس رأس الحد وهي أول بلد تطلع عليها الشمس في الوطن العربي على مدينة أصيلة المغربية ذات التاريخ الموغل في الحضارة منذ القدم.

لن أُسهب في الحديث عن الجائزة أو مدينة أصيلة، لكن سوف أتحدث عن الإرادة في جعل التاريخ والآثار والموقع في خدمة السياحة الثقافية والثقافة بوجهٍ عام والعكس صحيح، فقد تحولت هذه المدة الصغيرة الواقعة على ضفاف الأطلسي إلى قِبلة ثقافية مغربيًّا وعربيًّا وإفريقيًّا، أصبح موسمها الثقافي الذي يقام كل صيف حديث العالم طوال فترة إقامته، وكم أتمنى أن نأخذ مدينة أصيلة نموذجًا لنا في عُمان كون تاريخ الكثير من المدن العمانية وتاريخ مدينة أصيلة متشابهان في الكثير من الملامح، فلعمان تاريخ بحري ووجود حضاري في الكثير من الدول منذ ما قبل الإسلام، ولها إسهامات عديدة في الثقافتين العربية والإسلامية، نبَغَ فيها العديد من الشعراء والفقهاء والعلماء، دور عمان كان محوريًّا عبر التاريخ، قدّمت للعالم الكثير الاختراعات وبعض المؤلفات هي الأولى في العالم مثل كتاب الماء الذي يعَد أول معجم طبي لغوي شامل في التاريخ، حريٌّ بعمان أن يكون لها دورٌ ثقافي فاعل في المشهد الثقافي العربي، فإن استطاعت مدينة كأصيلة أن ترسخ حضورها الثقافي فكيف ببلد له منجز حضاري وثقافي كعُمان أن يقدم، وهي التي لا تزال تُقدّم.

الزائر لمدينة أصيلة عندما يصل إلى المدينة القديمة لا يجدها قديمةً بالمطلق، بل تدبُّ بالحياة وتدب بها الحياة، الناس لا تزال تسكن تلك البيوت التي رممت سورها وإن بُنيت في حُقبٍ سابقة، تجد فيها مراسم الفنانين والمنتديات جنبًا إلى جنب برج القُمرة وسور المدينة الذي بُني قبل مئات السنين ولا يزال يبدو كأنه بُني، تجد المدرسة وجدارها المُزين برسوماتٍ لبعض الفنانين وطلاب المدرسة المشرعة نوافذ صفوفها على أمواج ونسائم المحيط الأطلسي، هُناك لا مع أحد ماضٍ ولا حاضر، بل بالأمس مدينة تستشرف المستقبل من كليهما، ورغم بعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في أصيلة إلا أنها لم تكن في يومٍ مانعًا في جعلها مدينة معروفة ثقافيًّا على المستويات العربية والإفريقية، في وسط المدينة تجد الحدائق الجميلة المُسمّاة بأسماء الشعراء والمفكرين تشيكايا أوتامسي.. محمود درويش.. الطيب صالح.. أحمد عبد السلام البقالي.. محمد عابد الجابري، بعض الأحايين تجد الطلاب يتلقون دروسهم في هواء تلك الحدائق الطلق، أصبح لها أدوار سياحية وترفيهية وثقافية وتعليمية، ما أقصده فيما ذكرت أن الثقافة أصبحت واقعًا معاشًا في المدينة على كافة المستويات.

روى لي أحد الأصدقاء بعد لقائه مع أحد المسؤولين في منتدى أصيلة الذي زار السلطنة ليتسلم الجائزة قوله (لقد أكرمتمونا يا أهل عمان عند زيارتكم لنا بأخلاقكم وطيبتكم.. كبيركم وصغيركم، من المسؤولين والعاملين في الفندق ومن كل أحد، صمتُّ ولم أقُل لمحدثي أن يقول له) وأنتم أكرمتم الثقافة العربية بالكثير والكثير، لكم أتمنى أن يكون هذا الفوز حافزًا لتعاونٍ ثقافي حقيقي دائم بين مدينة أصيلة وعُمان، وليس تعاونًا وقتيًّا قد لا ينتبه له أحد.

ناصر المنجي 

[email protected]