يمثل الإعلام في العديد من الدول ركيزة أساسية لترسيخ مفهوم الحوكمة الرشيدة، وأحد أهم أدوات الشفافية، فهو ليس مجرد ناقل للمعلومة أو الخبر فقط بل يتعدى ذلك إلى شعور أفراد المجتمع بأنه يمثل الصوت أو الكلمة المكتوبة اللذان يعبران عن الواقع الذي يعيشونه، أو ذلك الذي يتطلعون إلى تحقيقه لهم من خلال عرض الوقائع والحقائق وطرح الأسئلة، بالإضافة الى انه يمثل مؤشر قياس للحكومات حول مستوى الرضا لدى المجتمع عن ما تحقق من انجاز في مختلف مجالات الخدمة، فضلًا عن أداة أخرى من أدوات تصحيح أو معالجة بعض المسارات لتلك المجالات، إلى جانب قدرته بطبيعة الحال على المتابعة والمساءلة، إلا أنه عندما يشهد الإعلام بعض التراجع في الدور المطلوب منه مهنيًّا يستغل ذلك التراجع من قبل البعض لفتح مسارات معتمة تمثل مربعات لنمو أفعال بعيدة عن الأضواء تتنافى مع قيم المجتمع وعاداته الأصيلة.
إننا نعتقد أن في أية دولة عندما تكون مسيرتها التنموية ثابتة، يشكل الإعلام فيها شريكًا قويًّا في دفع الجهود المبذولة للإصلاح إلى الامام وإرساء قيم النزاهة، فالمجتمع المدرك لحقوقه ويعرف واجباته يُعدُّ أقل عرضة للاختراق، على اعتبار أن الإعلام يمثل همزة الوصل لايصال المعلومة الصحيحة إلى المواطن في المجزوء والمجتمع في المجموع، ويرفع من عامل الثقة بين المؤسسات خاصة الخدمية منها وأفراد المجتمع، لذا فإنّ المتابعة الإعلامية بمفرداتها المختلفة من تحقيقات ذات طابع مهني مركز وتأمين الحصول على المعلومة.. وغيرها من الجوانب التي تخدم العمل الصحفي والإعلامي، تجعل من الاداء بصفة عامة اكثر شفافية وموضوعية، وذلك ايضا ينعكس كذلك على مختلف القضايا والذي يؤدي في النهاية الوصول الى ثقافة تتعزز من خلالها المساءلة ويصبح الاداء أكثر انضباطًا.
إنّ التراجع في الاداء أو المهنية الإعلامية والصحفية لأسباب الإمكانات، أو تركيز المنصات على الإثارة بدلًا تحري الدقة ونشر المعلومة الصحيحة، يؤدي إلى مساحة من فراغ كبيرة وخطيرة في نفس الوقت لأن ذلك يترك مجالًا خصبًا لنشر الشائعات، وإضعاف ثقة المجتمع، واستمرار الممارسات غير المرغوبة اجتماعيًا، فذلك لا ينمو في النور بل عندما يغيب الضوء وتضعف المساءلة، وبالتالي فإنّ حضور الإعلام بمهنية واستقلالية، يساعد على زيادة فرص الشفافية وتراجع المربعات غير المستحبة، من هنا يمكن القول ومن هذا المنطلق أنّ الإعلام لا يواجه التحديات فقط، بل يؤدي إلى بناء وعي مجتمعي عبر شرح الاجراءات والقوانين والأنظمة، ويبرز على الجانب الآخر إيجابية البرامج الناجحة في الإدارة والعمل بصفة عامة. أخيرًا.. لابد أن ندرك بأن الإعلام ضرورة وطنية مهمتها مواكبة الحداثة والتطوير، فمتى ما كان قويًّا ومدعومًا تكون معه بشكل أكبر كل القيم من شفافية ورسوخ وثقة، فلا يجب أن نخسر صوته.
طالب بن سيف الضباري