لقد شرّف الله تعالى بعض الأماكن والبلدان بذكرها في كتابه العزيز، وهذا الذكر من أجل حكم أودعها الله تعالى كتابه العزيز في تلك الأماكن والبلدان . وسأصحبكم ـ أيها الأحبة ـ خلال هذا الشهر الفضيل في رحلة نتدارس فيها بعضًا من تلك الأماكن والبلدان، فلنتابعها معكم .
الاسم الرابع:(بكّة): وقد ذكره الله تعالى بقوله:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) (آل عمران ـ 96)، (بكّة) من لفظ (البَكِّ) الدال على الزحام لأنه في الحج بيكّ الناسُ بعضهم بعضًا، أي: يزحم بعضهم بعضًا، وسميت (بكّة) لأنهم يزدحمون فيها) (أسرار البيان في التعبير القرآني، ص:110). الاسم الخامس:(القرية):(وقد جاء هذا الاسم معرّفًا ومنكرًا ومضافًا، فأما المُعرّف فقد ذكره الله تعالى في قوله:( وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء ـ 75)، المراد بها: مكة، كما قال ابن عباس والحسن والسدي.. وغيرهم، فوقرت عن نسبة الظلم إليها تشريفًا لها شرًفها الله تعالى) (تفسير الألوسي، مرجع سابق 3/ 80)، وأما عن ذكر اسمها منكرًا فقد جاء في قوله:( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل ـ 112)، يقول صاحب كتاب (النكت في القرآن الكريم، ص: 286)، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة:(القرية: مكة)، وأما عن ذكر اسمها مضافًا فقد ورد في قوله تعالى:( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) (محمد ـ 13)، (وإسناد الإخراج إلى أهل قريته ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهي مكة المكرمة مجاز من باب الإسناد إلى السبب لأنهم عاملوه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بما عاملوه فكانوا بذلك سببًا لإخراجه حين أذن الله تعالى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالهجرة منها) (تفسير الألوسي، مرجع سابق 13/ 202). الاسم السادس:(البلدة): وقد ذكرها الله تعالى في قوله:( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ? وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (النمل ـ 91)، و(البلدة على ما روي عن ابن عباس وقتادة.. وغيرهما هي مكة المعظمة، وتخصيصها بالإضافة لتفخيم شأنها وإجلال مكانها والتعرض لتحريمه تعالى إياها تشريف لها بعد تشريف وتعظيم إثر تعظيم) (تفسير الألوسي، مرجع سابق 10/ 248). الاسم السابع:(البلد): وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم (مكة) باسم البلد على لسان سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) (إبراهيم ـ 35):(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ـ بلدة مكة ـ آمِناً) (هذا أمن لمن فيها، والفرق بينه وبين قوله:(اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً) أن المسؤول في الأول إزالة الخوف عنه وتصييره آمنًا، وفي الثاني جعله من البلاد الآمنة) (تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (3/ 200)، و(أما ما ذكر باسم البلد وقصد به مكة فقد ذكر في قوله تعالى:( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) (البلد ـ 1)، عن قتادة (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) قال: البلد مكة) (تفسير الطبري، مرجع سابق 24/ 429)، وجاء اسم (البلد) علم على مكة أيضًا في الآية الثانية من سورة البلد:(وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) (البلد ـ 2)، قوله:(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) يعني: بمكة؛ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم): وأنت يا محمد حِلٌّ بهذا البلد، يعني بمكة؛ يقول: أنت به حلال تصنع فيه من قَتْلِ من أردت قتلَه، وأَسْرِ من أردت أسره، مُطْلَقٌ ذلك لك؛ عن ابن عباس (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) يعني بذلك:(نبيّ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحلّ الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحْيِي من شاء؛ فقتل يومئذ ابن خَطَل صَبْرا وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم تحِل لأحد من الناس بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقتل فيها حرامًا حرّمه الله، فأحلّ الله له ما صنع بأهل مكة) (تفسير الطبري، مرجع سابق 24/ 430).. وللحديث تتمة.
محمود عدلي الشريف