لا شك أنَّ تصريحات السفير الأميركي لدى «إسرائيل» مايك هاكابي، والَّتي قال فيها «إنَّه لا يرى مانعًا من استيلاء «إسرائيل» على منطقة الشرق الأوسط بأكملها» ليست بالتصريحات الجديدة أو حتَّى المستغربة عليه شخصيًّا، فقَدْ كان له تصريح سابق قال فيه إنَّه «لا يوجد شيء اسمه فلسطيني»، وهذا التصريح الأخير يُعَدُّ امتدادًا واضحًا لتصريحات رئيس وزراء «إسرائيل» جولدا مائير في ستينيَّات القرن الماضي عندما قالت «ليس هناك شَعب فلسطيني.. ولم يكُنِ الأمر أنَّنا جئنا وأخرجناهم من الديار واغتصبنا أرضهم، فلا وجود لهم أصلًا».
الجدير بالذِّكر بأنَّ مايك هاكابي يُعَدُّ مزيجًا من الفكر المتشدد الَّذي يجمع بَيْنَ المسيحيَّة اللاهوتيَّة والصهيونيَّة، كما أنَّه من المناصرين للكيان «الإسرائيلي» بشكلٍ صريح ومباشر، يعارض هاكابي قيام الدَّولة الفلسطينيَّة، ويرفض الهُوِيَّة الفلسطينيَّة، ويُعَدُّ من أكثر المؤيِّدين للمستوطنات الصهيونيَّة في الضفَّة الغربيَّة.
وبالعودة إلى تصريحات هاكابي حيال احتلال منطقة الشرق الأوسط، فهي كذلك ليست بالتصريحات الحديثة أو حتَّى المستغربة، فهي الأخرى امتداد لأساطير صهيونيَّة قديمة مثل أسطورة أو خرافة الوعد أو الأرض الموعودة، حيثُ جاء في سِفر التكوين: الإصحاح 15- الآية 18 «سأعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات». وقد أكد على هذا الاتجاه الاستعماري العديد من القادة الصهاينة مثل الجنرال موشي ديان عندما قال في تصريح له بتاريخ الـ(10) من أغسطس 1967 «إذا كنَّا نملك التوراة، ونعدُّ أنفسنا شَعب التوراة، فمن الواجب علينا أن نمتلك جميع الأراضي المنصوص عليها في التوراة».
وتماشيًا مع ما تمَّ ذكره يُمكِننا القول إنَّ تيَّارًا كاملًا داخل الحكومة «الإسرائيليَّة» الراهنة برئاسة بنيامين نتنياهو يسعى بجديَّة لتحقيق رؤية «إسرائيل الكبرى»، وليس مايك هاكابي سوى جزء لا يتجزأ من ذلك التيَّار الَّذي يجد له الدَّعم والمساندة من داخل البيت الأبيض والقوى المتطرفة في الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة. ويُمكِن الرجوع حَوْلَ ذلك إلى العديد من المصادر التاريخيَّة منها كِتاب (أساطير بلا نهاية: الولايات المُتَّحدة و»إسرائيل» والصراع العربي «الإسرائيلي»)، 1917-2020 لأستاذ العلوم السياسيَّة الأميركي المتقاعد جيروم سليتر، وكِتاب: الأساطير المؤسّسة للسياسة «الإسرائيليَّة» لروجيه جارودي، والَّتي تؤكد جميعها على الدَّعم الواضح للتوجُّهات «الإسرائيليَّة».
وفي هذا الإطار أذكر تراجع الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون عن موقف بلاده الرَّسمي الَّذي كان يرى أنَّ «إسرائيل» يَجِبُ أن تتخلى عن الأراضي الَّتي احتلتها عام 1967، وزاد المساعدات العسكريَّة لـ»إسرائيل» بشكل كبير حينها، كذلك تصريحات الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان عندما قال «إنَّ «إسرائيل» هي وحدها الركيزة الاستراتيجيَّة في المنطقة والَّتي تستطيع الولايات المُتَّحدة الاعتماد عليها» وجورج بوش الأب الَّذي قال «علاقتنا مع «إسرائيل» تَقُوم على التزام مشترك بالديموقراطيَّة وبقِيَم مشتركة» وغيرها الكثير.
ولا يفوتنا أن نذكر تصريح الرئيس الأميركي ترامب على لسان وزير خارجيَّته السابق مايك بومبيو والَّذي قال «بعد دراسة جميع أوْجُه الجدل القانوني بعناية، توصلت الولايات المُتَّحدة إلى أنَّ بناء المستوطنات «الإسرائيليَّة» المَدنيَّة في الضفَّة الغربيَّة في حدِّ ذاته لا يتعارض مع القانون الدولي».
على العموم، لا نسعى في هذا الطرح إلى جمع التصريحات الأميركيَّة المؤيِّدة للأعمال «الإسرائيليَّة» أو المساهمة في تلك الجرائم الصهيونيَّة عَبْرَ الدَّعم والمسانَدة، فهي كثيرة ومختلفة، ولكن ما يَجِبُ قوله في نهاية المطاف: إنَّ مثل تصريحات السفير الأميركي لدى «إسرائيل» مايك هاكابي لن تنتهي، وسيخرج لنا مايك هاكابي في كُلِّ حكومة أميركيَّة، وستجد «إسرائيل» دعمًا أميركيًّا لكُلِّ تصرفاتها في كُلِّ زمان ومكان، الأمر الَّذي يَجِبُ أن يدفع في الجانب الآخر إلى أهميَّة التصدي لمِثل هذا النَّوع من التصريحات المستفِزة والَّتي إن دلَّتْ على شيء فإنَّما تدلُّ على الاستهتار واللامبالاة الأميركيَّة بالحقوق الفلسطينيَّة من جهة، وباستقلال وسيادة الدول الإسلاميَّة والعربيَّة من جهة أخرى.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @