الاثنين 02 مارس 2026 م - 12 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الخطط الخمسية وإعادة تشكيل الاقتصاد وتسريع الاستدامة

الأحد - 01 مارس 2026 03:13 م

رأي الوطن

10


شهدتْ سلطنة عُمان خلال الأعوام الخمسة الماضية تحوُّلًا لافتًا في طريقة إدارة اقتصادها، حيثُ انتقلت الخطط الخمسيَّة من كونها أداةً لتنظيم الإنفاق وتوزيع الموارد إلى إطار استراتيجي يُعِيد تشكيل هيكل الاقتصاد نفْسه، وفْقَ مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، فالفترة الممتدَّة بَيْنَ 2020 و2025 لم تكُنْ مرحلةً عاديَّة، فقَدْ تزامنت مع ضغوط عالميَّة معقَّدة وتذبذب في أسواق الطاقة، ومع ذلك أظهرت المؤشِّرات أنَّ التخطيط المؤسَّسي المرتبط بالأهداف بعيدة المدى قادر على إنتاج نتائج ملموسة، حيثُ تضاعف رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر لِيصلَ إلى أكثر من (30) مليار ريال عُماني، وارتفعت الصادرات غير النفطيَّة من (3.4) مليار إلى أكثر من (6) مليارات ريال، كما سجَّلتِ الصناعات التحويليَّة نُموًّا متصاعدًا في قِيمتها المضافة، ما يعكس انتقالًا تدريجيًّا من اقتصاد يعتمد على المورد الخام إلى اقتصاد يبني قِيمة داخل حدوده، وهذه الأرقام لا تقرأ بمعزل عن سياقها؛ فهي تؤكِّد أنَّ التخطيط المتكامل ـ حين يرتبط بوضوح الرؤية وتكامل السياسات الماليَّة والتشريعيَّة والرقميَّة ـ يتحول إلى أداة لإعادة ضبط المسار الاقتصادي، ويضع أساسًا أكثر صلابة لاستدامة النُّمو في المدى المتوسِّط والطويل. وإذا كانت الأرقام تعكس حصاد التخطيط، فإنَّ البيئة التنظيميَّة والرقميَّة تُمثِّل الأداة الَّتي صنعتْ هذا الحصاد على أرض الواقع، فقَدْ شهدتْ عُمان خلال السنوات الماضية تحديثًا تشريعيًّا واسعًا تمثَّل في إصدار (49) قرارًا ولائحة تنظيميَّة أسْهَمتْ في إعادة ضبط بيئة الأعمال وتعزيز شفافيَّتها، بالتوازي مع تنفيذ برنامج تحوُّل رقمي شامل شغل (9) منصَّات إلكترونيَّة متكاملة لخدمة المستثمرين وروَّاد الأعمال، ورفع نسبة نضج الخدمات عَبْرَ منصَّة «عُمان للأعمال» من (50) بالمئة في عام 2020 إلى (72) بالمئة في عام 2024، وخلال الفترة من 2020 إلى 2025 تم إصدار أكثر من (700) ألف ترخيص تلقائي مكتمل، وتنفيذ ما يزيد على (2.8) مليون معاملة إلكترونيَّة، مع تكامل (50) خدمة رقميَّة، وتسجيل نَحْوِ (446) ألف سجل تجاري نشط، وإصدار أكثر من (103.9) ألف ترخيص صناعي مكتمل، كما تجاوز إجمالي المعاملات المنجزة (3) ملايين معاملة، وهو ما يعكس اتِّساع قاعدة النشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين في المنظومة التنظيميَّة الحديثة، وانعكس هذا التحوُّل المؤسَّسي في تحسُّن ترتيب سلطنة عُمان في مؤشِّر الحُريَّة الاقتصاديَّة من المركز الـ(76) في عام 2020 إلى المركز الـ(58) في عام 2025، وتقدُّمها في مؤشِّر الابتكار العالمي من المركز الـ(84) إلى المركز الـ(96) خلال الفترة نفْسها، لِتصبحَ الرقمنة والتشريع والجودة منظومة مترابطة تخفض تكلفة الوقت، وترفع كفاءة القرار، وتُعزِّز تنافسيَّة الاقتصاد الوطني في سوق عالمي سريع التغيُّر. لعلَّ جوهر التحوُّل الاقتصادي الَّذي تشهده عُمان يتجلَّى بوضوح في قِطاع الصناعة والتصدير، حيثُ تتقدم الصناعات التحويليَّة إلى موقع القلب في معادلة التنويع، بعد أن ظلَّت لسنوات طويلة تَدُور في فلك الأنشطة التقليديَّة، فقَدِ ارتفعت مساهمة الصناعات التحويليَّة في الناتج المحلِّي الإجمالي إلى نَحْوِ (3) مليارات و(879) مليون ريال عُماني بنهاية عام 2025، محقِّقةً نُموًّا بنسبة (7.2) بالمئة مقارنةً بالعام السابق، كما ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي في القِطاع الصناعي إلى نَحْوِ (3) مليارات و(490) مليون ريال، بنُموٍّ بلغ (24.6) بالمئة، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في القاعدة الإنتاجيَّة الوطنيَّة، وفي الوقت ذاته بلغتِ الصادرات غير النفطيَّة خلال عام 2025 نَحْوَ (6) مليارات و(885) مليون ريال عُماني، بزيادة نسبتها (10.5) بالمئة مقارنةً بعام 2024، وهو تطوُّر يُعبِّر عن قدرة المنتج العُماني على اختراق أسواق خارجيَّة جديدة، وتعزيز حضوره في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والدوليَّة. ويتكامل هذا المسار مع برامج «هُوِيَّة المنتج الوطني» و»صنع في عُمان» وتوسيع منظومة المواصفات والجودة، بما يعمِّق المحتوى المحلِّي ويرفع تنافسيَّة الصناعة الوطنيَّة، ويؤسِّس لاقتصاد يصنع قِيمة مضافة داخل حدوده، ويولِّد فرص عمل مستدامة ترتبط بالمعرفة والتقنيَّة والتصدير.

إنَّ الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة (2026–2030) تُمثِّل محطَّة انتقال من تثبيت قواعد الإصلاح إلى تسريع وتيرة النُّمو النوعي، حيثُ تتَّجه الأولويَّات نَحْوَ تعميق التصنيع الذَّكي، وتوسيع توظيف التقنيَّات المتقدمة والذَّكاء الاصطناعي، وتعزيز التحوُّل الرَّقمي بوصفه عامل تمكين رئيسًا لرفع الإنتاجيَّة وتحسين كفاءة الخدمات، كما تركِّز المرحلة المقبلة على تنويع المنتج السياحي باتِّجاه سياحة نوعيَّة مستدامة، وتطوير البنية الأساسيَّة الرقميَّة واللوجستيَّة، وتمكين الكوادر الوطنيَّة في القِطاعات الإنتاجيَّة والخدميَّة، بما يُعزِّز مساهمة القِطاع الخاص ويرسِّخ الشراكة الفاعلة بَيْنَه وبَيْنَ القِطاع العام. ويأتي هذا التوَجُّه استكمالًا لمسار مؤسَّسي أثبتَ فاعليَّته في السنوات الماضية، حيثُ لم تَعُدِ الخطَّة إطارًا زمنيًّا للتنفيذ فحسب، وإنَّما منصَّة لتوجيه الموارد نَحْوَ قِطاعات ذات قِيمة مضافة عالية، وقادرة على توليد فرص عمل مستدامة، وتعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والدوليَّة، بما يَضْمن استمرار الزخم وتحويل النُّمو المتحقق إلى مكاسب طويلة الأجل تُعزِّز استقرار الاقتصاد الوطني وتنافسيَّته في عالم سريع التحوُّل.