يعرِّف العلماء الوقف الخيري بأنَّه حبْس الأصل وتسبيل المنفعة، أي أن يكُونَ هناك أصل يدرُّ منافع يستفيد منها الناس بحيثُ يبقى الأصل ولا يتلف، بما يُحقق الاستدامة، وقد شاع في السنوات الماضية أن يقف الناس عقارات كالأراضي الزراعيَّة، والمساكن وآبار المياه، فيتحوَّل الأصل من مال خاص إلى مال عام، ويستفيد الناس من ريع استثماره، فيأكلون من خيرات المزرعة، ويشربون من الماء أو يؤجرون المنزل ويستفاد من ريعه للمحتاجين. ولم تَعُدْ قِيمة الوقف في عالم اليوم تُقاس بعدد العقارات أو الأراضي أو المزارع فقط، بل أصبح الوقف الحديث يشمل الخدمات الرقميَّة الَّتي تُقدَّم عَبْرَ الإنترنت، لِتستثمرَ في خدمة الناس فتقدّم المعرفة والتعليم والصحَّة والفنّ، وتخلق أثرًا مستدامًا يتجاوز المكان والزمان، هذه الخدمات الرقميَّة الوقفيَّة تُمثِّل امتدادًا للفكرة القديمة للوقف، لكنَّها تتكيَّف مع متطلبات العصر؛ فالأصل لم يَعُدْ شيئًا ماديًّا فقط، بل يُمكِن أن يكُونَ منصَّة تعليميَّة، أو مكتبة رقميَّة أو تطبيقًا صحيًّا، أو محتوى معرفيًّا يولّد دخله ويُعاد توجيهه للخير. من أبرز أشكال الوقف الرَّقمي المكتبات الرقميَّة، والَّتي تُعَدُّ امتدادًا لمفهوم وقف الكتُب والمكتبات التقليديَّة، فهي تتيح الوصول العالمي للكتب والمراجع، وتُحافظ على التراث الثقافي والمعرفي، وتوفِّر نسخًا رقميَّة مجانيَّة للطلاب والباحثين حَوْلَ العالم. من الأمثلة على ذلك مشروع (Google Books) الَّذي يتعاون مع مكتبات عالميَّة لإتاحة نسخ رقميَّة، وكذلك منصَّة (Internet Archive) الَّتي تقدِّم ملايين الكتب والمصادر العلميَّة كمورد مفتوح ومجاني. فهي مكتبات توفِّر المراجع والكتب مجانًا، وموجودة على شاشة الحاسوب. كما برزت المعاهد الَّتي تقدِّم الدَّوْرات عن بُعد كنموذج حديث للوقف التعليمي؛ فهذه المعاهد تُتيح الوصول للمعرفة بلا قيود جغرافيَّة، وتضْمن تمويلًا مستدامًا للمنصَّات التعليميَّة، كما تُسهم في تطوير مهارات جديدة للمستفيدين حَوْلَ العالم، خصوصًا في الدول العربيَّة. ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال منصَّة Khan Academy الَّتي تقدِّم دروسًا مجانيَّة، ومبادرة Coursera for Refugees الَّتي توفِّر دَوْرات للنازحين والمحتاجين، إضافةً إلى بعض الجامعات الَّتي أطلقت برامج تعليميَّة مجانيَّة مموَّلة من أوقافها. بالإضافة إلى ذلك، يشمل الوقف الرَّقمي مراكز المعرفة والبرمجيَّات المفتوحة المصدر، الَّتي توفِّر أدوات تقنيَّة وتعليميَّة مجانيَّة، وتُتيح للطلاب والمُعلِّمين والباحثين تطوير مهاراتهم وابتكاراتهم دُونَ تكلفة. ومن الأمثلة في هذا المجال مؤسَّسة Linux Foundation الَّتي تدعم تطوير البرمجيَّات المفتوحة، ومنصَّات مثل GitHub Education الَّتي توفِّر أدوات تعليميَّة ومشاريع مفتوحة للمُجتمع العلمي والتعليمي. ومَن منَّا مَن لم يستفِدْ من التطبيق الَّذي يدلُّ على اتِّجاه القِبلة (البوصلة)؟ ومَن منَّا لم يستفِدْ من التطبيق الَّذي يحدِّد مواعيد الصلوات في أيِّ مكان في العالم؟ أمَّا تطبيقات الدفع الإلكتروني فقَدْ أسْهَمتْ في نقل التبرعات الخيريَّة بطريقة آمِنة ودقيقة. وتشمل الخدمات الرَّقميَّة الوقفيَّة أيضًا المجال البحثي والصحِّي، حيثُ توفِّر منصَّات رقميَّة قواعد بيانات علميَّة وطبيَّة مجانيَّة، أو برامج للتوعية الصحيَّة، ومتابعة المَرضى عَبْرَ الإنترنت. ومن الأمثلة هنا مكتبة PubMed Central للعلوم الطبيَّة، وبعض المستشفيات مثل مستشفى (57357) للأطفال في مصر، الَّتي تستخدم منصَّات رقميَّة لتقديم برامج توعية وعلاجيَّة، بما يضْمن وصول الخدمة لأكبر عددٍ مُمكن من المستفيدين وتطبيق (doctori) والَّذي يُتيح لك التواصل مع الأطباء وطلب الاستشارات الطبيَّة منهم مجانًا. وتكمن أهميَّة الوقف الرَّقمي في استدامة أثَره؛ فالعوائد الرَّقميَّة يُمكِن إعادة توجيهها لصيانة المشاريع وتوسيع نطاقها. كما يتميَّز بالوصول العالمي، إذ لم يَعُدِ المستفيد مقيَّدًا بمكان جغرافي، بالإضافة إلى انخفاض التكلفة مقارنةً بالوقف التقليدي أو وقف العقار، وإمكان تنوُّع مجالاته بَيْنَ التعليم والصحَّة والثقافة والبرمجيَّات والبحث العلمي. فالأُصول الوقفيَّة قد خرجتْ عن المألوف وباتتْ تُواكب المستجدَّات، وأصبحتْ تقدِّم الخدمات والمساعدة للناس في أيِّ مكان في العالم. فالخدمات الرَّقميَّة الوقفيَّة إذن ليست مجرَّد نسخة رقميَّة عن الوقف التقليدي، بل هي تجسيد لروح الوقف في العصر الحديث، حيثُ المعرفة والعِلم والخدمة العامَّة متاحة للجميع في أيِّ مكان وزمان، إذا كان أسلافنا قد وقفوا الأرض والمال والعقار، فإنَّ عصرنا يطلب منَّا أن نوقف البيانات والمحتوى والمعرفة، ليستمرَّ العطاء بلا حدود، ويصبح أثَره عالميًّا ومستدامًا... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@