جلستُ أمام الشيخ الطاعن في السن بوقار الصغير الذي يُقدّر المشيب اللامع في جنبات لحيته الكثيفة المنسدلة إلى ما قرب صدره. أراقب تجاعيد وجهه التي تحكي قصة جسدٍ مضى في هذه الحياة سنين طوالًا؛ لَعِقَ من مُرِّها الصعب، وذاق من حُلوها القليل، فهي الحياة التي نكابد مصاعبها ونُمنِّي أنفسنا بأن تصفو لنا في أوقات كثيرة.
كنَّا في نقاش حول واقعةٍ حدثت، ولم نكن متأكدين ـ نحن الاثنان ـ من صحتها: هل حدثت فعلًا أم أنها مجرد وهم؟ ارتشف الشيخ فنجان قهوته بهدوء، ثم نظر إليَّ نظرة الحكيم البصير الذي عركته الحياة وتعلم منها الكثير، قال كلمتين فقط ولم يعقّب: «بينهم أربعة».
حقيقةً، لم أفهم ما ذا يقصد بهذه الجملة؛ فما هي «الأربعة»؟ وبين ماذا وماذا تحديدًا؟ رددتُ عليه باحترام: «ماذا تقصد يا عمي بكلامك هذا؟».
فورًا، وضع أصابعه الأربع عرضًا، فغطى بها المسافة ما بين عينه وأذنه، كما يفعل المؤذن تقريبًا، وأردف قائلًا: «يا بني، ما بين الحقيقة والإشاعة هو (النظر والتحقق)؛ فما نسمعه كثير، وأغلبه يفتقر للدقة، ولا ينجلي الشك إلا حينما نتحقق بأنفسنا مما نسمع».
قادني هذا الموقف العفوي إلى التمعن في الإشاعات التي تكتسح المجتمع وتنتشر بسرعة الريح، دون أن يكلف ناقلوها أنفسهم عناء التفكر في مدى صدقها. ومع انتشار الوسائل التقنية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الأخبار تطير كالنار في الهشيم.
إن التريث والتحقق في كل ما يطرق مسامعنا من أخبار ـ سواء تخص أفرادًا أو دولًا ـ يجب أن يخضع لفلترة «التبين» قبل نقلها. ولن أستفيض في ذكر الآثار الكارثية لهذا الفعل؛ فهي شاخصة للعيان، والوقائع المجتمعية كفيلة ببيان حجم الضرر الذي تسببه «كلمة» لم تمر عبر أصابع الحقيقة الأربع.
على بن جميل النعماني