على مرأى ومسمع وبمباركة الجميع،جرى ويجري استعباد الإنسان من قبل أجهزة الهواتف الذكية واللوحية، في الزمن الحالي لا أحد يرتاد المكتبات إلا القليل من البشر فالكل مشغولٌ بالهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي ، كثير من الطلاب في مراحلهم الدراسية يدخلون للصفوف همهم الأول ليس الاستماع للمدرس بقدر استخدام الهاتف دون أن يراهم أحد، يحدثُ أن يجلس الشخص مع صديقه ويستمعان لبعضهما البعض وهما يستعملان الهاتف دون أن يفهم كل شخص كلام الآخر ، وقس عزيزي القاريء على الكثير والكثير من هذه المشاهد.
قبل أيام وأنا أمارس رياضة المشي ، كان أمامي شخص يمارس المشي أيضاً،الوقت صباحاً ، حيث الشمس تُرسلُ أشعتها الذهبية سلاماً للعابرين مُعطّراً بنسائم الصباح،ٍالعصافير تزقزق وهي تروي لبعضها أحلام الليل،فيما مياه الفلج تتسابق في الساقية للوصول للحقل ، كل هذا لم يره الشخص الذي كان أمامي ، كان مشغولاً بأزرار هاتفه ؟؟!! .
ما دفعني لكتابة هذا المقال هي القوانين التي شرِعت وتُشرع بعض الدول في سنها بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خاصة للذين لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة عاما،لا أتوقع أن هذه الخطوة أتت إلا بعد دراساتٍ عديدة ٍ شارك فيها علماء علم الاجتماع والنفس نتيجة السلبيات الكثيرة من كثرة استخدامها والتي بالطبع لا تلغي الإيجابيات إذا ما استخدمت الاستخدام الجيد.
استخدام هذه الأجهزة ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح غاية وليس وسيلة، ليست غاية معرفية أو للوصول للمعرفة ، تسلب الإنسان التأمل في الطبيعة، بكثرة استخدامها يمنع الشخص نفسه من القراءة والمطالعة ، تجعل حياته أسيرة لشاشاتها، صحيحٌ أن لها فوائد كثيرة مثل معرفة حالة الطقس والترجمة والمراسلة والتصوير وغيرها من الفوائد التي توجد في التطبيقات لكن ليس دائما، فكثير من الأشخاص يقرؤون الكتب من خلال تنزيلها من الشبكة العنكبوتية لأن تنزيله رخيص جداً مقارنةً بشرائها ككتابٍ ورقي إن لم يكن التنزيل مجانيا، لكن لا يعلم إلا القلة بأن الإنقرائية ( الفهم والاستيعاب ) لا تتعدى الثلاثين بالمئة في أفضل الحالات إذا ما تمت المقارنة بين القراءة من الأجهزة اللوحية والقراءة من الكتاب الورقي، في نفس الوقت نستطيع القول بانها وسائل (تقييد) التواصل الاجتماعي بقدر ما هي وسائل تواصل ، دون وعيٍ أو إدراك أصبحت حياة الفرد مُستلبة، يدفع الكثير من الأشخاص المبالغ من أجل هذا القيد وليس للتحرر منه ولو بشكلٍ جزئي ، وأمام كل تطور في مجال التواصل الاجتماعي يتم دفع الإنسان إلى نطاق ضيق بحيث يقضي الكثير من الوقت مع الهواتف، ولربما عندما ينام تراوده الأحلام باستخدامها،المصيبة الكبرى هو إدمان الأطفال دون سن الخامسة على إستعمالها مما يخلق جيل مدمن على إستخدامها دون الإلمام بسلبياتها الكثيرة أو سلبيات كثرة استخدامها .
البشرية بالنسية لأغلب الشركات ليست إلا سوقا لا بد أن تكون رائجة لمنتجاتها، وهذا ما ينطبق على الأجهزة التي نتحدث عنها في هذا المقال ، الشركات تُطوِّر منتجاتها يوماً بعد يوم والأفراد يشترون هذه المنتجات دون أن يدري أحدهم بأنه يشتري القيد الذي يُقيّد به بعضاً من حريته ، الحرية في التأمل ، في القراءة ، في السفر في وعبر العالم وليس عبر شاشة الهاتف.
في ختام هذه المقالة البسيطة لا يمكن إغفال الإيجابيات الكثيرة لتلك الأجهزة ولكن لا بد عن التغافل عن سلبياتها الكثيرة والتي يمكن تجنبها بالطبع. لكن التجاهل ليس له ضريبة واحدة بل ضرائب عدة ، وهذا لا يقتر على الهواتف والأجهزة اللوحية بل الكثير والكثير من الأجهزة التي تُقيّد حرية الإنسان دون أن يشعر.
ناصر المنجي