الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : البوكيرك فـي ماليزيا

نبض المجتمع : البوكيرك فـي ماليزيا
الأحد - 17 مارس 2024 04:08 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

30


تُمثِّل التَّجارب السِّياحيَّة وزيارة المعالم المختلفة إحدى الوسائل الَّتي من خلالها يُمكِن تعميق الرَّبط التَاريخي بَيْنَ الأحداث والشخصيَّات التاريخيَّة، وخصوصًا تلك المرتبطة بالمتاحف أو القلاع أو حتَّى الرِّوايات الشفهيَّة المتناقلة بَيْنَ الشعوب على اختلاف لُغاتهم وهُوِيَّاتهم وثقافتهم. إلَّا أنَّ قاسمًا مشتركًا يجمع في النِّهاية تاريخهم بلا شك، وفي أحيان كثيرة لا تعمِّق المعرفة النظريَّة ذلك التَّرابط بصورة واضحة كتلك الموجودة في الشَّواهد المادِّيَّة الَّتي يُمكِن التعرُّف عَلَيْها واقعيًّا من خلال زيارة تلك المنطقة، بمعنى أنَّها تجعلك أكثر فهمًا ووعيًا، بل وإحساسًا بتلك الأحداث وبتلك الشخوص من مجرَّد القراءة عَنْهم، فتتعمَّق المعرفة والتَّرابط بصورة أكثر واقعيًّا ويصعب نسيان تفاصيلها أو أحداثها؛ إذ إنَّ رسوخها يكُونُ أكبرَ وأعمق.

شعرتُ بهذا التَّرابط أثناء زيارتي لمدينة ملقا في مملكة ماليزيا وذلك عِنْد زيارتنا لمتحفها التَّاريخي والَّذي ينتصب على هيئة سفينة برتغاليَّة غرقت في السَّواحل القريبة من مقرِّ ذلك المتحف. والمتحف مصمَّم بطريقة جميلة جدًّا بدءًا من التَّصميم الخارجي لَهُ، وانتهاءً بالتَّفاصيل الخاصَّة به في مكنوناته المختلفة. ورغم أنَّ تقنيَّات العرض فيه تُعَدُّ قديمة بحُكم أنَّه افتُتح منذ حوالي (٣٥) سنَةً، إلَّا أنَّه وفق هذه الفترة يُعَدُّ متحفًا يُحاكي في معروضاته متاحف أخرى جاءت بعده. وللوهلة الأولى ولأنَّ المتحف على هيئة سفينة ـ كما أشرنا ـ فهو مُهتَم بالتَّاريخ البحري ـ بلا شك ـ وخصوصًا الجانب الَّذي تعرَّضت له هذه المنطقة من قِبل الاستعمار الأوروبي، حيث خضعت لقوى استعماريَّة من البرتغال وإسبانيا وبريطانيا وغيرها من القوى الأوروبيَّة والَّتي تمتدُّ سيطرة بعضها لأكثر من قرن ونصف. وعِنْد الولوج في التعرُّف على معروضات المتحف، تظهر مدى الوحشيَّة الَّتي كانت تُمارسها تلك القوى الأوروبيَّة ضدَّ السكَّان المحلِّيِّين ويطلُّ على رأسها زعيمهم البوكيرك الَّذي عاث فسادًا كذلك في مناطق الخليج العربي وقتَل وعذَّب الآلاف من السكَّان، وكُلُّ ذلك موثَّق بالأدلَّة التاريخيَّة، حيث أحتفظ بكِتاب يحكي من خلاله يوميَّاته والفظائع الَّتي ارتكبها والَّتي يتفاخر بها والَّتي جمعها في كِتاب واحد ابنه غير الشَّرعي كما هو مدوَّن في واجهة الكِتاب.

ورغم أنَّني قَدْ قرأتُ عن فظائع هذا السفَّاح البرتغالي في الخليج وأيضًا في بقيَّة الدوَل الإسلاميَّة الَّتي احتلَّها، ومن ضِمْنها هذه المناطق في آسيا، إلَّا أنَّ الإحساس والشعور الَّذي انتابني وأنا أشاهدُ هذه المجازر من خلال هذا المتحف كان لها وقْع خاصٌّ في عمليَّة التَّرابط التَّاريخي ما بَيْنَ فظائعه معَنا وفظائعه في ملقا، بعيدًا عن موضوع الجانب المعرفي الَّذي تحدَّثنا عَنْه. فهُنا وعن طريق تصوير هذه المجازر والأعمال المُنافية للأخلاق تقف على حدَث وتاريخ مُهِمٍّ لا يُمكِن نسيانه أبدًا، بل ويُجبرك على الرَّبط بَيْنَ المنطقتيْنِ عِنْد الحديث عَنْه في منطقة دُونَ الأخرى، حيث يكُونُ التَّأكيد حاضرًا للدَّلالة على حجم هذه الأفعال المُشينة.

ربَّما يجرُّك أيضًا هذا التَّرابط التَّاريخي للذَّهاب إلى المناطق الحقيقيَّة الأخرى الَّتي مورست فيها هذه الأحداث، فأوَّل ما قمتُ به بعد عودتي من ماليزيا كان عليَّ أن أذهبَ لزيارة معقل البرتغاليِّين في مسقط، وهو قلْعَتا الجلالي والميراني لأنظرَ بأُمِّ عَيْني ولأشعرَ بنَفْسِ الإحساس الَّذي تعمَّق لديَّ في متحف مدينة ملقا ولأستشعرَ وأتخيَّل تلك السُّفن البرتغاليَّة العائثة فسادًا في سواحلنا وسواحل الدوَل المطلَّة على بحر عُمان والخليج العربي. زيارة ليست الأولى ولكن هنا كان الشعور مختلفًا، حيث إنَّنا نشترك مع آخرين في أحداث متشابهة، ما كان يُمكِن الشعور بأهمِّيتها رغم معرفتي السَّابقة بها لولا تلك الزيارة لتلك المدينة الَّتي تبعُد عنَّا آلاف الأميال.

من هنا يظهر جليًّا إلى أيِّ مدى يُمكِن أن تؤدِّيَ السِّياحة وخصوصًا تلك المرتبطة بالتَّاريخ في عمليَّة إيجاد نَوْع من التَّرابط التَّاريخي الواقعي والَّذي لا يُمكِن بأيِّ حالٍ من الأحوال نسيانه؛ لأنَّه يرتبط بعوامل أخرى مُتعدِّدة لا يُمكِن تجاهلها ولو طال الزَّمن.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]