الأحد 22 فبراير 2026 م - 4 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

فـي رمضان تتجلى إضاءات وصور إنسانية راقية للإسلام

فـي رمضان تتجلى إضاءات وصور إنسانية راقية للإسلام
السبت - 21 فبراير 2026 07:30 ص

سعود بن علي الحارثي

10


ارتباط الإنسان الوثيق وإيمانه العميق بالله ـ عزَّ وجلَّ ـ خالقه وموجده وخليفته في الأرض، من المُسلَّمات والثوابت والأساسات الَّتي لا يصلح حال الإنسان إلَّا بها. فطبيعة البشري فطرت شعوريًّا على العيش في حالة من القلق والتفكير المضني والجدل وسجايا تحرك في النفْس مشاعر الغيرة والحسد والطمع والتكبر والانحياز إلى الغلو والظلم والاستحواذ، وانقيادها سريعًا إلى حواضن الفساد بكُلِّ أشكاله المالي والأخلاقي والجسدي والعقلي... والاستشعار العميق والإحساس القوي بوجود الخالق الَّذي وهبنا الحياة والعقل والصحَّة ونِعم الذاكرة والبصر والسمع والشَّم وقدرات جسديَّة لا حصر لها، والوعي بعظمة الله الَّذي أوجد هذا الكون ومخلوقاته وكائناته وأفلاكه ومنظوماته وكواكبه ومجموعاته بما تمتلكه من معجزات هائلة ومذهلة يكشف عن لثامها العِلم يوميًّا... تضع الإنسان في موقف المسؤوليَّة والوعي والتدبُّر والإدراك بما كلِّف به من مهام وأدوار حقيقيَّة في الإصلاح والتهذيب وضبط النفْس وصيانة ومراعاة ما يقع تحت مسؤوليَّاته حاكمًا كان أو مسؤولًا أو ربّ أُسرة ومواطنًا عاديًّا في مُجتمعه... إنَّ مهمَّة الأديان ودَوْرها الحقيقي يتمثل في إعادة الإنسان إلى صوابيَّته وضبطه وإصلاحه، وتذكيره وتنبيهه، وإبلاغه بمضامين الرسالة السماويَّة الَّتي تنبهه بحقيقته ودَوْره ومسؤوليَّاته، ومقصد خلقه، والغاية من وجوده على الأرض وتمييزه بالعقل، وما ينتظره من حساب عسير في حالة انحلاله وانعتاقه في شراك الفساد والكفر وارتكاب المظالم... والإسلام على ضوء القراءات والمشاهدات والتطواف الواسع في بُلدان العالم ومُدنها، والاحتكاك بالشعوب والثقافات والأديان وإجراء المقارنات، يتجلَّى مضيئًا ساطعًا في تميُّزه وإنسانيَّته وعلو منزلته، فغاياته وشعائره ورسالته تدخل إلى النفْس مباشرة دُونَ مقاومة أو تفكير سلبي يشوبه التردد، هذا إن كان الإنسان منصفًا عادلًا في آرائه متجردًا من الأحكام المسبقة خاليًا من أدران التعصب والأحقاد متحررًا من قيود التربية المتعصبة والتنشئة المريضة؛ لأنَّ أحكام الإسلام ونواهيه وما أحلَّه وحرمه ومقاصده تتوافق مع العقل، وتستشعر الروح إزاءها السلام الداخلي والطمأنينة والراحة وحُب الآخر والجنوح إلى الخير والصلاح، الَّتي تتجسد في الحث على التعليم والانفتاح، والتسامح وصلة الرحم وبِر الوالدين، وترسيخ قِيَم العدل والمساواة والرحمة والحُريَّة والمساعدة، والإسهام في خدمة المُجتمع، وتعميق روح التعاون، وتعظيم شأن العقل والتفكير... وما يرفع من مكانة الإسلام في الدرجات العُلا والمنزلة الرفيعة أنَّه حرَّر الفرد فحرَّم كُلَّ شكل من أشكال الوساطة بَيْنَ الله والإنسان، فليس بَيْنَنا وخالقنا مَن نلجأ له ونتوسَّل إليه ليوصلَ أو يرفعَ أعمالنا وأقوالنا وعباداتنا ودعاءنا، فإيماننا قائم على ما نعمله ونؤدِّيه من مسؤوليَّات، وما نلتزم به ونطبِّقه من أوامر ونواهٍ ترفع مباشرة إلى خالقنا سبحانه وتعالى دُونَ حجاب، والعقل والتفكير والمنطق إضاءات نستنير بها لبلوغ الغاية وتحقيق الرضا والطمأنينة والسلام النفْسي... ورمضان الركن الرابع من أركان الإسلام تتجلى فيه إضاءات وصوَر إنسانيَّة عالية القِيمة عميقة المعنى والدلالات، تتمثل في الشعور بالحرمان من متع الأكل والشرب والملذَّات الجسديَّة، فيحسُّ الصائم بمعاناة الفقراء والجوعى والمظلومين من البشر في أنحاء المعمورة، ويتضامن الإنسان مع الإنسان وتمتزج المشاعر والأحاسيس الإنسانيَّة، وفي الصوم ينقاد الإنسان لتعليمات خالقه ويتعلم منها معاني الصبر وقوَّة الإرادة، ودلالات القيادة والتعالي على الملذَّات والانصياع لأوامره... وفي رمضان تتهذب النفْس وتتواضع وتَعُود إلى بساطتها وقدرها الحقيقي، ويتعمق إيمانها بفعل الخير، كوقف المال ومضاعفة الصدقات وتحقيق السعادة للفقراء والمحتاجين، وفي رمضان يشعر المُسلِم بالطمأنينة والتفاؤل وبراحة وسلام داخلي وبالمناعة النفسيَّة من الحسد والكراهية وكُلِّ ما يعكر المزاج ويثير الإحباط والتشاؤم، وتجلّي عظمة الإسلام في رمضان كثيرة بحيثُ لا يتَّسع لها مقال.. ومن يتأمل ويفكر في تاريخ الإسلام وأركانه وشعائره وعباداته ورسالته الإنسانيَّة العظيمة، وما كان عليه في صقل وتهذيب وصناعة الشخصيَّات البارزة «النموذج»، وما وصل بنا الحال في الأزمنة المتأخرة، فسيستخلص حقيقة أنَّ المُسلِمِين تسبَّبوا بأنفسهم في هذا التمزق والانشطار والانشقاق والتحزب ـ الَّذي يتعارض مع رسالة ومبادئ ومقاصد الإسلام ـ الَّذي أبلغهم مدارك منحطَّة من الجهل والتخلُّف والهزيمة الداخليَّة والانهيار المعنوي والثقافي والعلمي، فقد كان الإسلام وما زال وسيبقى دِينًا عظيمًا ذا رسالة إنسانيَّة تفيض سُمُوًّا ونُبلًا وصلاحًا ورحمةً وخُلقًا يفهمه الإنسان بفطرته السليمة وعقله المفطور على سلامة الفَهْمِ، والقدرة والمكنة على استيعاب ما فيه الصلاح والخير والصواب والحق. فالبدوي ببساطته امتلك تلك الفطرة السليمة والطاقة العقليَّة ما يكفيه للاستدلال بهما على خالقه، فقال كلمته الَّتي خلَّدها التاريخ قرونًا «البعرة تدلُّ على البعير وآثار السَّير تدلُّ على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج، ألا تدلُّ على اللطيف الخبير؟». فلم يتطلبْ منه الأمر جيشًا من العلماء ومجلَّدات من التفاسير وأكوام من كتُب الفِقه وسنوات يقضيها في دراسة فِقه المذاهب لِيصلَ إلى ربِّه. لقد كانت الانتكاسة الحقيقيَّة وبدايات الانهيار والتمزق والضعف والالتباس، وتحويل الإسلام من أخلاق وحُسن معاملة وقِيمة إنسانيَّة جوهريَّة غايتها الإصلاح والتهذيب، إلى شعائر وطقوس وعبادات شكليَّة، عِندَما جعلنا منه طوائف وأديانًا شتَّى كُلٌّ منها يدَّعي أنَّه على الحق وعلى سنَّة الرسول وهديه ويكفِّر الآخر ويحرمه من رحمة الله، عِندَما اختلفنا على كِتاب الله ورفعنا السيوف تجز رقاب بعضنا البعض، وتدخَّلنا في شؤون الخالق ـ عزَّ وجلَّ ـ ننظر ونفلسف ونصنِّف البشر باِسْمِه، وأدخلنا أنْفُسنا في متاهات نحن في غنى عنها، عِندَما أصبح لدَيْنا جيش من العلماء ومكتبات تحتشد بكتُب الفِقه والتفسير والحديث والأدعية، وفتاوى اختلفت وعارضت بعضها حدَّ الفرقة في المسألة الواحدة فالتبسَ على الناس أمْرَهم، وغرق المُسلِمون في هذا الفيضان، وتاهوا في سواقيه وتمسَّكوا بالقشور وتركوا الجوهر، وظلوا في سَيل التفاصيل وتخلَّوا عن الأصل المرتبط بإصلاح الإنسان ووحدة المُسلِمِين وتوادِّهم وتعاونهم... وأصبحنا كحال أهل البقرة الَّذين أكثروا الأسئلة حَوْلَها فصعَّب الله عليهم الأمر... كان المسجد بيتًا لله شيّد من الطين والسعف وجذوع النخيل، فتحول إلى هيكل عمراني ضخم فيه من البذخ والأبَّهة والتَّباهي ما يثير الإبهار والاستغراب، فالزخرفة والفنُّ المعماري والفرش والثريَّات والديكورات والنقوش الذهبيَّة تُنافِس أعظم الكنائس وقصور الملوك والحكام، فيما الجوعى والفقراء يستغيثون طلبًا للمساعدات والصدقات والزكوات، والمسجد يفيض بالمصلِّين وفي المقابل ضاعت الأمانات وبِر الوالدين، ونمَتْ وازدهرت حالات الغش والفساد ونهب المال العام، والاتجار بالمخدّرات والطلاق، وقِسْ على ذلك الكثير من الأمثلة على تناقضنا بَيْنَ التنظير والفعل... ولن يتقدمَ حالُ المُسلِمِين، ولن ينهضوا من كَبْوتِهم ويتعافوا من تخلُّفهم إلَّا بِفَهْمِ رسالة الإسلام ومقاصدها دُونَ وساطة من طائفة أو عالِم أو مدَّعٍ وواعظ، على غرار وأثَر ذلك البدوي الَّذي كان نموذجًا في الاستدلال على خالقه...

سعود بن علي الحارثي

[email protected]