الأحد 22 فبراير 2026 م - 4 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : ما مشكلتنا مع الدوام المرن؟ وهل أسهم فـي الحد من الاختناق المروري؟

في العمق : ما مشكلتنا مع الدوام المرن؟ وهل أسهم فـي الحد من الاختناق المروري؟
السبت - 21 فبراير 2026 07:20 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

لم يَعُدِ الحديث عن الدوام المَرِن ترفًا إداريًّا أو استجابةً ظرفيَّة لخصوصيَّة زمنيَّة ترتبط بشهر رمضان، بل أصبح مسارًا تنظيميًّا وإداريًّا وطنيًّا يرتبط بالتحوُّلات الَّتي تشهدها منظومة الجهاز الإداري للدَّولة، وبالتحوُّلات العميقة في مفهوم الإنتاجيَّة وكفاءة الأداء المؤسَّسي والحوكمة والجاهزيَّة المؤسَّسيَّة الَّتي أصَّلتها رؤية «عُمان 2040». يُضاف إليها الطموحات الوطنيَّة في ظلِّ التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المتسارعة، والتحوُّلات في مفهوم الوظيفة العامَّة والوظيفة خارج الحدود، وهو أمْر نتج عنه التوجُّه نَحْوَ تطبيق بعض المبادرات الوطنيَّة الَّتي تستهدف قياس الإنتاجيَّة وفْقَ منهجيَّات علميَّة وأُطر استراتيجيَّة، ناهيك عن مُشْكلة الازدحام المروري في محافظة مسقط تحديدًا والَّتي أصبحتْ لها تداعياتها على منظومات العمل، وبناء المورد البشري، وتحقيق مسار الإنتاجيَّة.

من هذا المُنطلَق، كانت تصوُّراتنا في الدوام المَرِن ـ وما نشرناه في أكثر من مقال حَوْلَ الموضوع ذاته ـ باعتباره خيارًا استراتيجيًّا يعكس وعيًا متقدِّمًا بطبيعة المرحلة، ويأتي في إطار إعادة هيكلة مؤسَّسيَّة أشمل تستهدف بناء ثقافة عمل حديثة تقوم على الحوكمة، وقياس الأداء، وتعزيز الكفاءة الوطنيَّة، وإدارة المورد البشري بكفاءة ومرونة. فالفكرة في جوهرها ليست إعادة توزيع ساعات العمل فحسب، بل إعادة ضبط وبناء وتوجيه العلاقة بَيْنَ الوقت والإنتاجيَّة، وبَيْنَ الموظف والمؤسَّسة. لِيبقَى خيط الترابط ممدودًا عَبْرَ شعور الموظف بالاحتواء المؤسَّسي وقدرة المؤسَّسة على كسب ثقة العاملين بها.

كما أنَّ تقييمنا لهذا المسار عِندَما طرحنا في أحد مقالاتنا التساؤل: هل حقَّق الدوام المَرِن مفهوم الإنتاجيَّة؟ نتبع من قناعتنا بأنَّ الإنتاجيَّة لا تُقاس بطول البقاء في المكتب ولا بالفترة الزمنيَّة الَّتي يقضيها الموظف في بيئة العمل، بل بنوعيَّة الإنجاز وقِيمته المضافة، والأثَر الَّذي يتركه الموظف كُلَّ يوم في بيئة عمله وإنتاجيَّة المهام الَّتي يَقُوم بها ـ وهو أمْر يسعى الدوام المَرِن إلى تأكيده ـ ذلك أنَّ المسار التقليدي للدوام، المصحوب بالروتين وتكرار الإجراءات، في ظلِّ غياب مفهوم القِيمة المضافة أدَّى في حالات كثيرة إلى هدر الوقت الرَّسمي في ممارسات لا ترتبط مباشرة بتحقيق الأهداف. ومن هنا جاء الدوام المَرِن كقراءة متجدِّدة لمفهوم العمل المنتِج، ليؤصِّلَ ثقافة الإنجاز والمبادرة والمنافسة، ويُعِيدَ الاعتبار لقِيمة الوقت في حياة الموظف، بحيثُ يتحول الالتزام من استجابة شكليَّة للبصمة والحضور والانصراف إلى دافعيَّة داخليَّة وشعور حقيقي بالمسؤوليَّة.

فالدوام المَرِن يَقُوم على فلسفة مَرِنة بإتاحة خيار بدء العمل ضمن نطاق زمني محدَّد، مع الالتزام بعدد الساعات القانونيَّة المحدَّدة من قِبل جهات الاختصاص ومعايير الأداء، وهذه المرونة، في أصلِها، ليست فوضى كما يُشير البعض عِندَما طرحتُ هذا الموضوع في إحدى تغريداتي في منصَّة (X)، بأنَّ هذا التوجُّه يؤدي إلى فوضى في العمل وتكاسل وتقاعس. والحقيقة هذا الأمر يؤكِّد أنَّنا بحاجة اليوم إلى تجريب حقيقي وواقعي لهذه التوجُّهات الإداريَّة والتنظيميَّة وفلسفة عملها في بيئة العمل الحكومي ـ رغم قناعاتنا بأنَّ بعض المؤسَّسات الكبرى في القِطاع الخاص تمارس هذا التوجُّه منذُ سنوات ـ وله أثره الإيجابي والنوعي في سلوك الموظف؛ فالمسألة ـ في تقديري ـ تفترض إطارًا تنظيميًّا واضحًا يضبطها، وأدوات قياس دقيقة تتابع نتائجها. كما تتيح توزيع أوقات العمل بما يوسِّع ساعات تقديم الخدمة للجمهور ـ حتَّى في أوقات الليل ـ، ويقلِّل فترات الانتظار، ويرفع كفاءة الإنجاز.

ومع ذلك فإنَّ مُشْكلتنا في الدوام المَرِن ليست في الفلسفة الَّتي يَقُوم عليها النظام، بل في كيفيَّة تطبيقه؟ وهنا تتضح ملامح مُشْكلتنا مع العمل المَرِن: مزاجيَّة التنفيذ، واتِّساع مساحة الحُريَّة الممنوحة لبعض المسؤولين في تفسيره أو تعطيله، وغياب مسار إلزامي واضح يحدِّد قواعده وضوابطه. فقد تُرك في كثير من الأحيان لاجتهادات فرديَّة، تختلف من مؤسَّسة إلى أخرى، ومن مسؤول إلى آخر، فتحوَّل من سياسة عامَّة يُفترض أن تُبنى عليها ثقافة عمل، إلى خيار انتقائي محدود الأثر.

ونعتقد ـ كما أكَّدنا ذلك في حديثنا عن نظام إجادة ونظام العمل عن بُعد وغيره ـ أنَّ أيَّ نظام إداري أو مسار تنظيمي، مهما بلغتْ وجاهة فكرته، يحتاج إلى قواعد أصيلة وموجِّهات ملزِمة، وإلى ضبطيَّة واضحة تَضْمن عدالة التطبيق واستدامته. كما يحتاج إلى تقييم دَوْري لنتائجه، ورصد دقيق لمؤشِّرات أدائه، عَبْرَ مسوحات ودراسات وقياس الرأي، وتطوير مستمر يستند إلى معطيات واقعيَّة. وكنتُ شخصيًّا أتمنَّى إصدار توجيهًا صريحًا وإلزاما من مجلس الوزراء الموقَّر لجميع مؤسَّسات الجهاز الإداري للدَّولة، لاعتماد الدوام المَرِن مسارًا إداريًّا ملزمًا، يتحول تدريجيًّا إلى نهج مؤسَّسي، وثقافة مسؤول وسلوك وظيفي راسخ. عِندَها فقط يُمكِن إدخال تعديلات مدروسة عليه، تُعزِّز نقاط قوَّته وتُعالج جوانب القصور فيه، وتصنع التزامًا يمشي على الأرض.

وفي الإطار العام، يبرز استغراب مستخدمي الطريق، وما أفصح عنه واقع الحركة المروريَّة، وحجم الاختناق المروري في جميع الطُّرق الرئيسة والفرعيَّة في محافظة مسقط منذُ اليوم الأول من شهر رمضان والَّذي يصادف بدء تطبيق الدوام المَرِن لِيُعِيدَ طرح التساؤل: هل أسهم الدوام المَرِن فعلًا في الحدِّ من الازدحام المروري؟

إنَّ إجابتنا عن هذا التساؤل تقتضي الإشارة إلى أنَّ الازدحام المروري ليس مُشْكلة إداريَّة مجرَّدة يُمكِن حلُّها بتوجُّه أو مسار تنظيمي واحد، بل الازدحام والاختناق المروري جاء نتيجة تداخل عوامل متعدِّدة منها: ازدياد أعداد المَركبات واتِّساع انتشارها، وضيق الطُّرق في محافظة مسقط الَّتي لا تتجاوز ثلاث حارات، وطبيعة التخطيط العمراني، وثقافة الاعتماد شِبه الكُلِّي على المَركبة الخاصَّة. وغياب المترو والنَّقل العام المتطور، واستخدام التقنيَّات الحديثة في تحديد موقع الازدحام ورصده، والخيارات البديلة المتاحة لمستخدمي الطريق في حالة الحوادث، بالإضافة إلى ثقافة مستخدمي الطريق والوعي المروري.. في ظلِّ هذه المعطيات، لا يُمكِن للدوام المَرِن أن يكُونَ العصا السحريَّة لحلِّ مُشْكلة الازدحام المروري في مسقط الَّتي تنمو بشكلٍ كبير وتزداد تداعياتها بشكلٍ لافت، لكنَّه يُمثِّل أحد الخيارات الواقعيَّة منخفضة التكلفة لتخفيف الضغط في ساعات الذّروة.

فمع القناعة بأنَّ توحيد أوقات الحضور والانصراف يؤدي إلى تركُّز الكثافة المروريَّة وزيادة الاختناق المروري في فترات محدَّدة، بَيْنَما يُسهم توزيعها زمنيًّا في تقليل حدَّة الاختناقات؛ إلَّا أنَّ محدوديَّة الإلزام في تطبيق الدوام المَرِن، وغياب الالتزام الشامل به عَبْرَ مؤسَّسات الدَّولة، وترك المسألة للاجتهاد وغياب الضوابط المُعزِّزة للتطبيق، وغياب استخدام الأنظمة الأخرى الدَّاعمة لهذا النظام مِثل العمل عن بُعد، نعتقد بأنَّها قلَّلت من القِيمة المضافة المتوقَّعة من العمل المَرِن، إذ لم يحدُثْ أيُّ تغيير في واقع الطرقات، ولم يحصل أيُّ تغيير في أنظمة التحفيز والمتابعة كُلُّ ذلك أدَّى إلى محدوديَّة الأثر المتوقع. ذلك أنَّ ضيق البنية الأساسيَّة للطُّرق وغياب الخيارات المتاحة، يُقلِّل من كفاءة أيِّ إجراء تنظيمي يهدف إلى توزيع الحركة المروريَّة زمنيًّا.

ومن هنا، فإنَّ ضعف تأثير الدوام المَرِن في الحدِّ من الازدحام لا يَعُود إلى قصور في فكرة النظام وفلسفة عمله، بل إلى عاملين أساسيين: أوَّلهما، غياب مسار إلزامي واضح يَضْمن تطبيقه الشامل والمنضبط؛ وثانيًا، التعامل مع القضيَّة المروريَّة بمعزل عن بُعدها الشمولي الَّذي يشمل البنية الأساسيَّة، والنقل العام، وأنماط التوسُّع العمراني، وسلوك مستخدمي الطريق.

إنَّ إعادة تقييم مسار الدوام المَرِن باتت ضرورة إداريَّة وتنظيميَّة وأخلاقيَّة وإنسانيَّة ووطنيَّة في مواجهة الاختناق المروري، ولا يعني طرح هذه التساؤلات الدَّعوة إلى التراجع عنه، بل تصحيح مساره عَبْرَ فرض الإلزام، وتوحيد القواعد، وتفعيل أدوات القياس، وإجراء تقييم دَوْري للنواتج، في إطار رؤية مروريَّة وتنمويَّة شاملة تُراعي ظروف الموظف وبُعدَه وقُربه من بيئة العمل وتبني مسار الحوافز، وخلق روح تغييريَّة في بيئات العمل بعيدًا عن الروتين بالشكل الَّذي يجعل الموظف أمام قراءة متجدِّدة لواقعه الوظيفي، وبأنَّ حضوره ليس إلزامًا بالدوام، بل التزام وشعور بحضوره فيه، ونوعيَّة الأثر الناتج عن وجوده، عِندَها يُمكِن أن يتحول من مبادرة جزئيَّة محدودة الأثر إلى أداة إصلاحيَّة فاعلة وفلسفة إداريَّة متجدِّدة، تُسهم في رفع الإنتاجيَّة، وتُعزِّز جودة الحياة الوظيفيَّة.

أخيرًا، عِندَما يُعاد النظر في قراءة مفهوم الإنتاجيَّة الوظيفيَّة ويتمُّ تصحيح الصورة الذهنيَّة المشوّهة الَّتي باتتْ تفرضها القرارات المرتجلة على الأداء الوظيفي ومشاعر الموظف نعتقد بأنَّ الأمور ستبشر بنتائج أفضل، فليستِ المُشْكلة في طول الدوام أو قِصره، بل في فلسفته وإدارته. وليس الازدحام المروري أزمة طريق، بل هي نتائج لتراكمات إداريَّة وتنظيميَّة وأنظمة عمل وثقافة مُجتمع؛ فحين يُبنى العمل المَرِن على قواعد واضحة، ويضبط بالمساءلة والالتزام، يصبح ثقافة حياة. أمَّا حين يُترك للاجتهادات فإنَّه يفقد قدرته على إحداث الأثر المنشود، وقِسْ على ذلك كُلَّ الأنظمة الإداريَّة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]