عِندَما نقرأ صفحات التاريخ الإسلامي، نقف بإعجاب أمام نماذج وقفيَّة عظيمة صنعت أثرًا باقيًا في حياة الناس، من أوقاف المدارس والمستشفيات، إلى موارد المياه، والمدارس والمكتبات، غير أنَّ الوقف لم يكُنْ يومًا حبيس زمنه، بل فكرة حيَّة تتجدَّد بتجدُّد حاجات الإنسان والمُجتمع، وتطور أدوات وأساليب الوقف. واليوم تقدِّم لنا الأوقاف المعاصرة نماذج مميَّزة لا تقلُّ عظمة عمَّا سطَّره الأوائل، بل يتفوق عليه في بعض جوانبه التنظيميَّة والتقنيَّة ومُقوِّمات الاستدامة.
وتُعَدُّ مزرعة الراجحي أحد أبرز هذه النماذج الوقفيَّة الحديثة في مجال الأمن الغذائي، حيثُ تجسّد مفهوم الوقف المنتج القادر على الجمع بَيْنَ العمل المؤسَّسي، والتنمية الاقتصاديَّة، وصناعة الأثر الاجتماعي المستدام. فقَدْ أوقف الشيخ صالح بن عبدالعزيز الراجحي هذه المزرعة لِتكُونَ وقفًا خيرًا مدرًّا على مدى السنوات، فهي أصْلٌ محبوس ومنافعها مستمرة تغدق خيراته على الناس في العديد من الدول، ويُدار هذا الوقف وفْقَ منظور مؤسَّسي لخدمة المُجتمع. أوقفَ الراجحي المزرعة في عام 1417هجري حيثُ يُعَدُّ هذا الوقف نموذجًا رائدًا في تحويل الممتلكات الشخصيَّة إلى أوقاف تخدم التنمية المستدامة، ويُسهم بفعاليَّة في الأعمال الإنسانيَّة، وتُشكِّل مصدرًا مستدامًا للغذاء. فوقف الراجحي للنخيل عبارة عن مزرعة كبيرة للنخيل وتسمَّى (مزرعة الباطن) تقع في منطقة القصيم بالمملكة العربيَّة السعوديَّة، وتُعَدُّ مزرعة الراجحي أحد أكبر الأوقاف الزراعيَّة الخيريَّة في العالم، حيثُ تمَّ تسجيلها في موسوعة جينيس كأكبر مزرعة نخيل في العالم، فهي تضمُّ أكثر من (200) ألف نخلة من أصناف متنوعة (45 صنفًا)، ويخصَّص إنتاجها سنويًّا لخدمة الحَرَمَيْنِ الشريفين وإفطار الصائمين به، ودعم برامج الجمعيَّات الخيريَّة الَّتي تُعنى بتوزيع الطعام على الناس بصورة عامَّة، ويُعَدُّ وقف مزرعة الراجحي أحد المشاريع الوقفيَّة الَّتي تُسهم بشكلٍ واضح في علاج مُشْكلة الفقر وتأمين الغذاء في العديد من مناطق العالم الإسلامي، وتصل مساحتها إلى (5466) هكتارًا، ويصل إنتاجها السنوي إلى (7,500) طن من التمور تقريبًا كما تضم المزرعة (50,000) نخلة تحت الزراعة العضويَّة، و(150,000) نخلة تحت نظام الزراعة النظيفة. فالمزرعة محلٌّ لتطبيق أحدث التقنيَّات الزراعيَّة في مجال زراعة النخيل، حيثُ أنشئ مركز أبحاث النخيل عام 1432هـ (2011م) لتطوير المشاريع زراعيًّا، ووقاية النبات، وتحليل التربة والمياه، وما يميِّز هذه المزرعة أنَّ المنتج الغذائي وهو التَّمر طويل الأمد؛ أي لا يتلف بسرعة وسهل الحفظ والتخزين ممَّا يسهل نقله للعديد من دول العالم حتَّى البعيدة منها، كما أنَّه من أقلِّ المنتجات الغذائيَّة هدرًا؛ فالتمور لا تتلف بسرعة. والواقع أنَّ إنتاج النخل لا يقتصر على التمور، بل هناك منتجات مثل (الجذب) والسعف، والليف فهذه المواد تدخل في العديد من الصناعات كصناعة القطع المنزليَّة كالسلال، والمفارش، وبناء الفواصل والشاليهات. والواقع أنَّ المزرعة ليست مجرَّد مشروع زراعي تقليدي، بل رؤية متكاملة تستثمر الموارد الطبيعيَّة والتقنيَّات الحديثة لإنتاج غذائي ضخم، يدار بعقليَّة احترافيَّة، ويَعُود ريعه إلى وجوه البِر المتعددة. وبهذا تنتقل فكرة الوقف من مجرَّد أصل جامد إلى كيان منتج متنامٍ يواكب العصر ويستجيب لتحدِّياته.
ما يميِّز مزرعة الراجحي كذلك هو إدراكها العميق لمعنى الاستدامة، فالعطاء هنا لا يعتمد على التبرُّعات العابرة، بل على نموذج اقتصادي قادر على الاستمرار، والتوسُّع، والتأثير طويل المدى.. وهذا التحوُّل يعكس فهمًا معاصرًا لمقاصد الوقف، حيثُ لا يقتصر الأثر على الإغاثة الآنيَّة، بل يمتدُّ لِيشملَ الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وإنعاش السوق التجاري من خلال صفقات تنجز لشراء مستلزمات رعاية المزرعة كالأسمدة والمبيدات الحشريَّة، والمعدَّات اللازمة، ودعم المشاريع الخيريَّة بشكلٍ منتظم. إنَّ مقارنة هذه النماذج الحديثة بأوقاف الماضي ليست انتقاصًا من عظمة التاريخ، بل تأكيد على حيويَّة الفكرة الوقفيَّة وقدرتها على التطور. فكما أبدع السابقون بما امتلكوه من أدوات، يبدع المعاصرون بما توافر لهم من معرفة وتقنيَّة وإدارة. وفي هذا السياق، تُمثِّل مزرعة الراجحي شاهدًا حيًّا على أنَّ الوقف، حين يُدار بعقليَّة العصر وصدق النيَّة، يُمكِن أن يصنع أثرًا يفوق ما أرَّخه التاريخ، ويؤسِّس لمستقبل أكثر عطاءً واستدامة... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@