يستقبل الفلسطيني هذه الأيَّام المباركة الفضيلة، سواء كان في قِطاع غزَّة أو بالضفَّة، مقتسمًا وقته بَيْنَ الدُّعاء ومحاولة النَّجاة، بَيْنَ رغبة في حفظ ما تبقَّى من إيمان داخلي، وسعيٍ مضنٍ لتأمين لقمة تسند جسدًا أنهكه الجوع. فقد أصبح الإنسان في فلسطين يفطر على القلق أكثر ممَّا يفطر على الطعام، ويصحو على صوت الانفجارات قَبل أنْ يصحوَ على أذان الفجر، ويُعلِّم أطفاله معنى الصَّبر في واقع يضيق فيه الهواء والماء والغذاء، قَبل أنْ يُعلِّمَهم الكلام والقراءة.. فعلى الأرض تُهدم الأحياء كاملة، وتُغلق المعابر، ويُحاصَر النَّاس داخل رقعة تتآكل يومًا بعد يوم، حتَّى يصبحَ البقاء ذاته معركة مفتوحة، وتتحول الحياة إلى سلسلة اختبارات يوميَّة، من أُمٍّ تبحثُ عن دقيق، وأبٍ يُحصي أبناءه مع كُلِّ غارة، وطفلٍ يكتشف العالم من خلال الركام. وفي زمن يفترض أنْ تسموَ فيه الروح، تُدفَع الجماعة بأكملها إلى حافَّة الإنهاك المادِّي والنَّفْسي، في صورة تتجاوز مشهد الحرب التقليديَّة إلى صناعة بيئة طاردة للحياة! والغريب أنَّ وسط كُلِّ هذا تتحدث الأُمم المُتَّحدة عن خطر تطهير عِرقي يُخيِّم على غزَّة والضفَّة الغربيَّة، رغم ما مرَّ به أبناء فلسطين! صحيح أنَّ هذا التوصيف يحمل ثقلًا قانونيًّا وسياسيًّا لا يُطْلَق عادةً إلَّا عِندَ اقتراب الوقائع من نقطة التحوُّل الديموغرافي الدائم، ويُقرأ التدمير المنهجي، ومنع المساعدات، وفرض ظروف معيشيَّة خانقة بوصفها عناصر في نمط متكامل، لا حوادث منفصلة. لكن حين يُدفَع شَعبٌ إلى الجوع، ويُحرَم من مُقوِّمات الاستمرار، يُصبح السؤال عن الهدف النهائي سؤالًا مشروعًا. وهو: أيُّ مستقبل يُراد لهذه الأرض؟ وأيُّ صورة سكانيَّة يُعاد تشكيلها تحت ضغط النار والحصار؟ هنا تتجاوز القضيَّة حدود الاشتباك العسكري إلى مسألة وجود، وتتَّسع دائرة القلق من حاضر دامٍ إلى غدٍ قد يُرسَم بخرائط مختلفة إنْ غابتِ المساءلة وتراختِ الإرادة الدوليَّة.
يرصد تقرير مكتب الأُمم المُتَّحدة لحقوق الإنسان مسارًا ممتدًّا من الأفعال الَّتي تتراكم لِتنتجَ واقعًا سكانيًّا جديدًا على الأرض؛ فالفترة الَّتي يغطيها التقرير تكشف عن تدمير واسع للأحياء السكنيَّة، واستهداف متواصل للبنية الأساسيَّة، ومنْع دخول المساعدات الإنسانيَّة، وهي عناصر تتكامل لِتصنعَ ضغطًا وجوديًّا على مُجتمع كامل، كما توثِّق البيانات استشهاد مئات الفلسطينيين بسبب الجوع الشديد، بَيْنَهم أطفال، ما يعكس بيئة معيشيَّة تَدفع النَّاس إلى حافَّة الانهيار. ومن واقع التقرير يتزامن ذلك مع استمرار الهدم في الضفَّة الغربيَّة، والاعتقالات الواسعة، واستخدام القوَّة بصورة منهجيَّة، في سياق يفرض وقائع جديدة تتغيَّر معها الخريطة السكانيَّة تدريجيًّا، وتتجمع هذه المؤشِّرات لِتشكِّلَ صورةً واضحة عن نمط متكرِّر يتجاوز حدود المواجهة العسكريَّة، ويطرح سؤالًا استراتيجيًّا حَوْلَ مستقبل الوجود الفلسطيني ذاته في ظلِّ معادلة جغرافيَّة وسكانيَّة يُعاد تشكيلها تحت ضغط القوَّة، ومع قوانين تُقنِّن سرقة ما تبقَّى من أرض فلسطين التاريخيَّة، وسط تآمر عالمي لا يُمكِن إنكاره.. فالصَّمْتُ عن تلك الكوارث باتَ مشاركةً وليس تآمرًا فقط. لعلَّ أخطر ما تكشفه هذه الوقائع الواردة في التقرير الأُممي أنَّها لم تَعُدْ تقتصر على الميدان العسكري، وإنَّما تمتدُّ إلى المجال القانوني والسياسي، حيثُ يُعاد تعريف السيطرة عَبْرَ أدوات تشريعيَّة وإجرائيَّة تضفي غطاءً رسميًّا على تغيير الواقع، وتتسارع عمليَّات الهدم في الضفَّة الغربيَّة، وتُصادَر الأراضي تحت عناوين تنظيميَّة وأمنيَّة، وتُمنح التَّوسعات الاستيطانيَّة شرعيَّة قانونيَّة داخل منظومة تشريعيَّة تكرِّس واقعًا أحاديًّا على حساب شَعب كامل، وتترافق هذه السياسات مع اعتقالات واسعة وإجراءات تضييق اقتصادي وإداري تُعمِّق العزل الجغرافي، وتُضعف قدرة المُجتمع على الاستمرار، لِيتشكَّلَ بذلك مسار متكامل يُحاصِر الإنسان في أرضه، ويُقيِّد حركته، ويُقلِّص حضوره الديموجرافي تدريجيًّا عَبْرَ الضغط المستمر.. من هذا المُنطلَق لا تبدو المسألة مجرَّد إدارة صراع، وإنَّما إعادة صياغة المجال الحيوي لفلسطين على نَحْوٍ يغيِّر معالمها السكانيَّة، ويُعِيد توزيع السيطرة فيها وفْقَ رؤية تفرضها القوَّة وتكرِّسها النصوص القانونيَّة. إنَّ استمرار هذا المسار دُونَ مساءلة دوليَّة فاعلة يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة على الاستقرار الإقليمي والدّولي، فحين تسجِّل التقارير الأُمميَّة وقائع بهذا الحجم، وتُطرح توصيفات قانونيَّة تتصل بخطر التطهير العِرقي، فإنَّ تجاهلها يعني منْحَ الزَّمن فرصةً لترسيخ نتائج يصعب التراجع عنها لاحقًا. إنَّ غياب المحاسبة يُعمِّق شعور الضحيَّة بالعُزلة، ويضعف ثقة الشُّعوب في منظومة القانون الدّولي، ويكرِّس منطق القوَّة كأداة وحيدة لإدارة الصراعات. فالإقليم يقف اليوم أمام اختبار أخلاقي وسياسي حقيقي، حيثُ تتحدَّد ملامح المستقبل بناء على قدرة المُجتمع الدّولي على ترجمة التحذيرات إلى إجراءات عمليَّة تحمي المَدَنيين وتصون الحقوق. كما أنَّ أيَّ تغيير ديموجرافي قسري يُفرَض تحت ضغط الحرب والحصار لن ينتجَ سلامًا مستدامًا، لكنَّه يزرع بذور اضطراب طويل الأمد، ويُبقي الجغرافيا مفتوحةً على احتمالات صراع لا تنتهي، لكنَّ المؤكَّدَ أنَّ الأرض ستظلُّ تعرف أصحابها، فأبناء فلسطين لن يكُونُوا يومًا هنودًا حُمرًا.