كان أول رمضان لي في سلطنة عُمان منذُ ما يقارب ثلاثة عقود، كنتُ يومها في عنفوان المراهقة، محملًا بضجيج القاهرة في داخلي، قادمًا من خلفيَّة رمضان المصري الصاخب الَّذي لا ينام، أضواء وفوانيس، زينة تتدلى من الشرفات، وطقوس امتزج فيها الفرعوني بالعربي، والفاطمي بالقبطي، كأنَّ التاريخ المصري قرَّر أن يحتفلَ معنا في شارع واحد. أتذكر أنَّ الحارات والشوارع كانت تتحول إلى ملاعب كرة قدم، تتنافس فيها الفِرق على كأس المرحوم فلان، أو الحاج علان، في طقس شَعبي لا يخلو من فخر وانتماء، خصوصًا في الأحياء الَّتي تعرف بعضها بالاسم والملامح والسِّيرة، حيثُ كنتُ أنتمي لأحدها، كنَّا نتناول الإفطار على عجل، نبتلع اللقمة كما لو أنَّ الليل ينتظرنا خارج الباب، ثم ننطلق إلى التراويح، ومنها إلى سلسلة فعاليَّات تمتدُّ حتَّى الفجر، وسط زحام كثيف من الحدث والبشر معًا، كأنَّ المدينة بأكملها قررتْ أن تختبرَ قدرتها على الحياة في شهر واحد، ثم وجدتُ نفْسي في عُمان... هدوء مختلف، إيقاع أبطأ، ومساحة أوسع للصَّمت، لا ضجيج ينافس الأذان، ولا سباق بَيْنَ الفعاليَّات.. هنا تسيطر حركة العبادات على الشهر الفضيل، ويبدو أنَّ الليل خلق لِيعاشَ بتؤدة، لا ليستهلك. صحيح أنَّها كما مصر المساجد فيها عامرة، والوجوه ساكنة، لكنَّ الاختلاف هنا في الخطوات الَّتي تمشي بثبات نَحْوَ التراويح دون صخب احتفالي، في البداية شعرتُ أنَّ شيئًا ما ينقصني، كنتُ أبحث عن الضوضاء الَّتي اعتدتُ عليها، عن المباريات المرتجلة في الشارع، عن أصوات الباعة المتجوّلين بعد منتصف الليل، عن المسحراتي...، ومع مرور الأيَّام توالي السنوات خصوصًا عِندَما عدتُ للعمل في مقتبل شبابي، أدركتُ أنَّني لم أفقدْ رمضان… أنا فقط اكتشفتُه من زاوية أخرى، في مسقط تعلمتُ أنَّ الصَّمت طقس، وأنَّ التأمل احتفال من نوع مختلف، وأنَّ الإيمان لا يحتاج دائمًا إلى مكبِّرات صوت كَيْ يعلن حضوره.
وهنا لا أضع مقارنة بقدر ما أستدعي ذاكرة، برغم أنَّ أصدقائي العُمانيين أكدوا لي أنَّ في الحارة صخبًا ولعبًا للأطفال والمراهقين، فإنَّني كنتُ أفتقد ضجيج القاهرة في سنوات مراهقتي.. ومع العمل في عُمان تغيَّر شكل النهار عِندي قَبل أن يتغيَّر الليل، فلم يَعُدْ رمضان سباقًا مع الساعات بقدر ما أصبح مساحة لإعادة ترتيب الداخل، صباحات العمل صارت أكثر هدوءًا، الاجتماعات أقصر، والنظرات أطول، كنتُ أراقب نفْسي وأنا أنتقلُ من عقليَّة الإنجاز السريع إلى إيقاع أبطأ يسمح لي أن أسمعَ صوتي الداخلي، فالساعة الَّتي تسبق الأذان لها رهبة خاصَّة، والمدينة كُلُّها تبدو وكأنَّها تمسك أنفاسها، لا ضجيج سيَّارات، لا توتُّر في الوجوه، فقط انتظار عميق يُشبه التأمل الجماعي، هنا فهمتُ أنَّ الصيام ليس امتناعًا عن الطعام، لكن تدريبًا على الانتباه، انتباه للكلمة، للفكرة، للنيَّة، ففي القاهرة كان الليل يبتلعنا بحماسه، أمَّا في مسقط فقد تعلمتُ أنَّ النهار نفْسه يحمل طقسًا روحانيًّا لا يقلُّ أثرًا عن التراويح، الَّتي كنتُ أصلِّيها هنا وأتوجَّه للعمل في (الوطن) الغرَّاء لإعداد الصحيفة مع الزملاء، وصرتُ أقدّر لحظة العودة إلى البيت قَبل المغرب، تجهيز التمر والماء، ومراقبة الضوء وهو يتغيَّر ببطء فوق الجبال، كأنَّ الطبيعة تشاركنا العدَّ التنازلي للأذان، أعترفُ أنَّني اكتسبتُ عادات جديدة، وعلى رأسها تحوُّل الإفطار إلى بضع لقيمات فقط، حتَّى أستطيعَ أن أصلِّيَ التراويح دون تخمة، وأؤجِّل وجبتي الرئيسة إلى ما بعد العودة من العمل.
أتذكر أوَّل عزومة عُمانيَّة على الإفطار، ولم أكُنْ أعرفُ شيئًا عن تفاصيل العادات والتقاليد هنا؛ فعِندَ أذان المغرب أفطرنا على التَّمر وصلَّينا، ثم جاء المضيف بوليمة من المقبلات، ظننتُ أنَّها الوجبة الرئيسة، فتعاملتُ معها باعتبارها الإفطار الكامل، وأكلتُ كما اعتدتُ في مصر، حيثُ لدَيْنا وجبتان واضحتان، وهما الإفطار ثم السحور، كانت العزومة خارج مسقط، وأغلبُ ظنِّي أنَّها في نزوى إن لم تخنِّي الذاكرة، بعد ذلك توجَّهنا إلى صلاة التراويح، وعدتُ وأنا مطمئن أنَّ الليلة انتهت عِندَ هذا الحد، هممتُ أن أودعَ الرجُل وأشكره على كرمه، فإذا بالذبيحة تدخل، والعشاء يفرش، والمضيف ينظر إليَّ بدهشة ممزوجة بعتاب خفيف، مستنكرًا رغبتي في المغادرة، ومؤكدًا أنَّ الإفطار لم يبدأ بعد، وقتها وقفتُ لحظتها مرتبكًا بَيْنَ شبع حقيقي وواجبٍ اجتماعي أكبر من معدتي، فحاولتُ أن أشرحَ له أنَّني أكلتُ، فابتسم ابتسامة مَن يعرف أنَّ ضيفه لم يفهمْ بعد، وقال بهدوء يحمل حسمًا جميلًا إنَّ ما سبق كان تسخينًا للمعدة. أمَّا الكرم فله توقيت آخر، لأضطر أن أجلس من جديد، وهذه المرَّة أتعلَّم أنَّ الضيافة هنا ليست بكم أكلت، لكن بكم بقيت مع الصحبة، فلم يكُنِ الأمر طعامًا، لقد كان مشاركة، كان إصرارًا على أن تكُونَ جزءًا من الدائرة. أذكُر أنَّني خرجتُ من تلك الليلة بشعور مزدوج؛ معدة ممتلئة أكثر ممَّا ينبغي، وقلب ممتلئ امتنانًا أكثر ممَّا توقعتُ، فقد أدركتُ أنَّ البساطة الَّتي تبدو هادئة في هذا المُجتمع تُخفي تحتها عمقًا من الكرم والاعتزاز بالضَّيف. تعلمتُ أنَّ الإفطار هنا مساحة ممتدَّة للصحبة، للحديث، للطمأنينة عن الأخبار والعلوم. ومنذُ تلك الليلة صرتُ أكثر فهمًا لرمضان العُماني، فهو شهر لا يرفع صوته كثيرًا، لكنَّه يحتضنك حتَّى تتعلم إيقاعه، وتعرف أنَّ الكرم هنا يمارس.
ومع توالي الأعوام، أضحى رمضان عندي ذكرى مكانين وطقس مُجتمعين، وصار مرآةً أرى فيها نفسي كُلَّ عام بصورة أوضح، فقد كبرتُ وتبدلتِ الأدوار، ولم أعُدْ ذلك المراهق الَّذي يركض خلف الفعاليَّات حتَّى الفجر، صرتُ أبًا يراقب أبناءه وهم يختبرون دهشتهم الأولى مع الصيام، والغريبة أنَّهم يقضون أول رمضان في عُمان، بعد أن جلسوا في مصر معظم طفولتهم، وصرتُ أعي أنَّ القدوة لا تُقال، لكنَّها ترى، وفي ليالي مسقط الهادئة، وفي العمل الحالي أجلس لحظة قَبل الأذان، أنظر إلى الجبال الَّتي ينسحب عنها الضوء ببطء، وأشعر أنَّني تصالحتُ مع هذا الإيقاع الَّذي لم أفهمْه في البداية، فلم يَعُدِ الهدوء فراغًا كما ظننتُه يومًا، إنَّه مساحة أرتب فيها قلقي، وأراجع اختياراتي، وأعيد تعريف النجاح بعيدًا عن ضجيج الإنجاز. رمضان هنا علَّمني أنَّ الامتلاء لا علاقة له بكثرة الموائد، وأنَّ الطمأنينة قرار داخلي، وأنَّ الإنسان كُلَّما نضج احتاج إلى صمتٍ أعمق لا إلى أصوات أعلى، وفي كُلِّ مغرب حين تمتدُّ يدي إلى التمرة الأولى، أدركُ أنَّ الرحلة لم تكُنْ بَيْنَ القاهرة ومسقط، إنَّما بَيْنَ نسخة قديمة منِّي ونسخة جديدة باتتْ بحكم السِّن أكثر هدوءًا، نسخة تعلمت أن تعيش الشهر بروحه، لا بإيقاعه فقط.
فكُلُّ عام وأهلي في مصري الغالية، وأصدقائي في عُمان الحبيبة بخير وسعادة.. وكُلُّ عام وأنْتُم بخير.
إبراهيم بدوي