أيها الأحباب.. استكمالًا للأحداث التي كانت في شعبان وفضائله، ووقفنا عند غزوة بني المصطلق، قالت عائشة - رضي الله عنها -:(فتَسامَع الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تزوَّج جويريَةَ، فأرسلوا ما في أيديهم من السَّبي، فأعْتَقوهم، وقالوا: أصهارُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأينا امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها، أُعتِق في سببها مائةُ أهلِ بيتٍ من بني المصطلق) (صحيح سنن أبي داود)، وكان ذلك سببَ إسلامِهم.
كما تَمخَّضت الغزوة عن افتضاح سافرٍ للمنافقين الذين يَنخُرون المجتمعَ من الداخل؛ تحريضًا، وكذبًا، وزرعًا للفتن؛ حيث استغلُّوا خِصامًا وقَع بين مُهاجِريٍّ وأنصاريٍّ بعد الفراغ من الغَزوة، فحسَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأمرَ، وقال:(دعُوها فإنها مُنْتِنةٌ)، فأراد المنافقون أن يُؤجِّجوا الخصامَ، وأن يَجعلوها عداوةً وتوتُّرًا، واتِّخاذَ مواقفَ، فقال عبد الله بن أُبَي: أو قد فعَلوا؟ والله لئنْ رجَعنا إلى المدينة، ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ) (متفق عليه)، وفي (تفسير البغوي) أنه قال مُحرِّضًا ضد المسلمين:(هذا ما فعلتُم بأنفسكم، أحْلَلتُموهم بلادَكم، وقاسَمْتُموهم أموالَكم، أما واللهِ لو أمسَكتُم عنهم ما بأيديكم، لتَحوَّلوا إلى غير داركم.
(4) ـ وفي هذا الشهر الكريم شهر شعبان (دخل الإسلام قازران بْنُ أرغون بْن أبغا بْن هولاكو ملك التتار بوساطة نوروز التُركي وزيره ومدبر مملكته وزوج عمته، واسمه بالعربيّ محمود، أسلم فِي شعبان بخُراسان على يد الشَّيْخ الكبير المحدّث صدر الدِّين إِبْرَاهِيم بْن الشَّيْخ سَعْد الدِّين ابن حمّويه الجوينيّ، فتلفظ بشهادة الحق وهو يتبسم ووجهه يستنير ويتهلل، وكان شابًا، أشقر، مليحًا، له إذ ذاك بضع وعشرون سنة، وذلك بقرب الريّ بعد خروجه، وجلس مجلسًا عامًّا وضجّ المسلمون حوله عندما أسلم ضجة عظيمة من المغل والعجم.. وغيرهم ونثر على الخلق الذهب واللؤلؤ، وكان يومًا مشهودًا، وفشى الإسلام في جيشه بحرص نوروز فإنه كان مسلمًا خيرًا صحيح الإسلام، يحفظ كثيرًا من القرآن والرقائق والأذكار، ثُمَّ شرع نوروز يلقن الملك غازان شيئًا من القرآن ويجتهد عليه. ودخل رمضان فصامه، ولولا هذا القدر الَّذِي حصل له من الإسلام وإلّا كان قد استباح الشَّام لما غلب عليه، فلله الحمد والمِنّة) (تاريخ الإسلام - ت تدمري (52/37.
(5) ـ وفي شعبان كتَب الله أن يستعيدَ صلاح الدين الأيوبي مدينة حِمص السورية من يد الصليبيين في 21 من شعبان 559هـ، ليَصير أكثرُ الشام تحت يده، هذه المدينة.. وغيرها من مدن الشام التاريخية العريقة، هي التي تَعرِف اليومَ في شهرنا هذا - شهر شعبان - ألوانًا من التدمير والتخريب والتهجير، لا على يد الصليبيين، ولكن على يد بعض أبنائها الظالمين المعتدين.
(6) ـ وفي التاسع من شعبان سنة 591هـ، وقعتْ معركةُ (الأرك) التاريخية بين المغاربة في عهد الموحِّدين بقيادة السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور، وقوات ملك قشتالة ألفونسو الثامن، وسمَّاها النصارى «كارثة الأرك» لعظيم مُصابهم فيها؛ حيث كان كبيرُهم يَستهزئ بالقائد المغربي حين أرسل له رسالةً استنقاصٍ واستخفافٍ؛ ليَشتدَّ غَيظُ يعقوب المنصور، ويكتُب له على ظهر الرسالة: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) (النمل ـ 37)، والجواب ما ترى لا ما تَسمَع)، وسار إليه بجيش قِوامه 100 ألف؛ يقول المؤرِّخون: كانت المسافة بين مقدمة الجيش ومؤخِّرته مسيرة 3 أيام، وكان خطابه لهم:(جدِّدوا نيَّاتِكم، وأحضِروا قلوبَكم)؛ فكان النصرُ حليفَهم.
وأختم بما قيل عن فضائل شهر شعبان الفضيل: قال ابن رجب:(أفضل التطوُّع ما كان قريبًا من رمضان قبلَه وبعدَه)، وقال أيضًا: )ولَمَّا كان شعبان كالمقدِّمة لرمضان، فإنه يكون فيه شيءٌ ممَّا يكون في رمضان من الصيام، وقراءة القرآن، والصَّدقة)، وقال أبو بكر البَلخي:(شهر رجب شهر الزَّرع، وشهر شعبان شهرُ سَقْي الزَّرع، وشهر رمضان شهرُ حصاد الزَّرع).. فلنغتم هذا الشهر الفضيل بمزيد من الطاعات.
د.محمود عدلي الشريف