الأربعاء 11 فبراير 2026 م - 23 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

شهر شعبان بين «التسمية والدلالة والأهمية والأحداث والفضائل» «3»

الأربعاء - 11 فبراير 2026 12:28 م

.. وهو الذي قيلت فيه العبارة المشهورة التي تنسب إلى أمه الشريفة أسماء بنت أبي بكر الصديق، التي خاطبت فيها ابنَها عبد الله بن الزبير، عندما استشارها في الإقدام على مقاتلة جنود الحجاج بن يوسف قائلًا لها: يا أماه، إن القوم إذا قتلوني ربما مثَّلوا بجثتي بعد قتلي، فردت عليه بالعبارة المشهورة ـ تشجيعًا له على الثبات والصبر والمجاهدة: «يا بُنَيَّ، إن الشاةَ لا يُضِيرها، أو يَضُرُّها سَلْخُهَا بعد ذبحِها»، وقيل: إن الحجاج دخل عليها بعد أن قَتَلَ ابنَها، فقال: يا أماه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لستُ لك بأمٍّ، إنما أنا أمُّ المصلوب على الثَّنِيَّة، ومالي من حاجة، ولكن أحدثك أني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير»، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراك إلا إياه، فقال: أنا مبير المنافقين، وقيل: إن ابن عمر دخل معه عليها، وابنها مصلوب، فقال لها: إن هذا الجسد ليس بشيء، وإنما الأرواح عند الله فاتقي الله، واصبري. فقالت: وما يمنعني من الصبر، وقد أهديَ رأس يحيى بن زكريا إلى بَغِيٍّ من بغايا بني إسرائيل؟، وقيل: إنها غسلته، وحنطته، وكفنته، وطيبته، وصلت عليه، ثم دفنتْه، ثم ماتتْ بعده بأيام في آخر جمادى الآخرة، وبلغت من العمر مائة سنة، ولم يسقط لها سنٌّ واحدة، ولم ينكر لها عقل - رحمها الله - رحمة واسعة، ورحم ابنها، وأدخله أعالي الجنان، وتاسعها: وفاة عثمان بن مظعون - رضي الله عنه: حيث توفي في شهر شعبان، وهو حبيب من أحِبَّة رسول الله - صلى الله وسلم - وكان أول المهاجرين وفاةً في المدينة، وأولَ مَنْ دُفِنَ في البقيع، وقيل عنه: أول من حرم الخمر على نفسه بعد نزول تحريمها، وأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- شهد دفنَه بنفسه، وحمل حجرًا، ووضعه تحت رأسه؛ ليعلم به قبرهن وهو أبُو السَّائِبِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ الجُمَحِيُّ (المتوفى في شعبان سنة 3هـ) صحابي بدري من السابقين إلى الإسلام، وهو أول المهاجرين وفاةً في المدينة، وأول من دفن في بقيع الغرقد، وكان عثمان بن مظعون من أشد الناس اجتهادًا في العبادة، يصوم النهار ويقوم الليل، ويجتنب الشهوات، ويعتزل النساء، واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التبتل والاختصاء، فنهاه عن ذلك، وقال له النبي: «أليس لك فيَّ أسوة حسنة، فأنا آتي النساء، وآكل اللحم، وأصوم، وأفطر، إن خصاء أمتي الصيام، وليس من أمتي من اختصى، أو خصى»، ورُوى أنه لمَّا مات دخل عليه النبي محمد فقبَّله، وقال: «رَحِمَكَ اللَّهُ يَا عُثْمَانُ، مَا أَصَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلا أَصَابَتْ مِنْكَ».

وعاشرها: وفاة كلٍّ من وفاة الإمامين: الإمام ابن حزم الظاهري الفقيه المتفرد، والإمام ابن كثير صاحب التفسير المشهور، حيث تُوُفِّيَ الفقيهُ، والعلَّامة الظاهريُّ، ابنُ حزم صاحب المُحَلَّى في 28 شعبان سنة 456 هـ، وهو الإمام أبو مُحمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمِ بْنِ غَالِبِ بنِ صَالِحِ بن خَلَفِ بْنِ مَعْدانَ بْنِ سُفْيانَ بْنْ يَزِيدَ اَلْأَنْدَلُسِيُّ القُرْطُبِيُّ ( 30رمضان 384 هـ /‏‏ 7 نوفمبر 994م.قرطبة - 28 شعبان 456 هـ 15 أغسطس 1064م ولبة)، الملقب بابن حزم الظاهري الأندلسي، الذي يٌعَدُّ من أكبر علماء الأندلس، وأكبر علماء الإسلام تصنيفًا، وتأليفًا بعد الإمام الطبري، وهو أديب، ومتكلم، وفقيه، وشاعر، وعالم برجال الحديث، وناقد محلل، بل وصفه بعضهم بالفيلسوف، وكان من أوائل من قال بكروية الأرض، ويقال: إنه كان وزيرًا، وسياسيًّا لبني أمية، وكان له أتباع من المالكية، سلك طريق نبذ التقليد، وتحرير الأتباع، وقامت عليه جماعة من المالكية، وشـُرِّدَ عن وطنه، وهو صاحب المذهب الظاهري في الفقه الإسلامي، وله اجتهادات كثيرة معتبرة، وله مكانته في عالم الفقه المذهبي، وحيث تُوُفِّيَ المفسرُ الكبيرُ الإمامُ ابنُ كَثِيرٍ في 26 شعبان سنة 774 هـ، وهو الإمام ابن كثير، المعروف بكتبه، ومؤلفاته في التفسير، والحديث، ومن أشهرها: تفسيرُ القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وشرح اختصار علوم الحديث، والسيرة النبوية، وكان قد بدأ في كتاب كبير للأحكام، ولم يكمله، وله شرح صحيح البخاري في علم الحديث، واسمه عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي البصروي، ثم الدمشقي، مُحدِّث، ومفسر، وفقيه، وُلِدَ بمجدل من أعمال دمشق سنة 701 هـ، ومات أبوه سنة 703 هـ، ثم انتقل إلى دمشق مع أخيه كمال الدين سنة 707 هـ بعد موت أبيه، وحفظ القرآن الكريم ،وختم حفظه في سنة 711 هـ، وقرأ القراءات، وجمع التفسير، وحفظ متن (التنبيه) في الفقه الشافعي سنة 718 هـ، وحفظ مختصر ابن الحاجب، وتفقه على الشيخين برهان الدين الفزاري، وكمال الدين ابن قاضي شهبة، سمع الحديث من ابن الشحنة، وابن الزراد، وإسحاق الآمدي، وابن عساكر، والمزي، وابن الرضى، شرع في شرح صحيح البخاري، ولازم الإمام المزي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصَاهَرَهُ على ابنته، وصاحب ابن تيمية، وَلِيَ العديدَ من المدارس العلمية في ذلك العصر، منها : دار الحديث الأشرفية، والمدرسة الصالحية، والمدرسة النجيبية، والمدرسة التنكزية، والمدرسة النورية الكبرى، تُوُفِّيَ في شعبان سنة 774 هـ، وَكَانَ قد أضرّ فِي أَوَاخِر عمره، ودفن بجوار ابن تيمية في مقبرة الصوفية، خارج باب النصر من دمشق، له عدة تصنيفات، أشهرها تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وطبقات الشافعية، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، والسيرة النبوية، وله رسالة في الجهاد، وشرع في كتاب كبير للأحكام ولم يكمله، وله شرح صحيح البخاري، وهو مفقود.

إن شهر شعبان شهر بين شهرين عظيمين من أشهر الله، وهو مزلفة بينهما، واستعداد للتدريب على متطلبات رمضان، وتكاليفه، وأعماله التي ينتظرها المسلمون بفارغ الصبر؛ لينهضوا بحق الشهر الفضيل، صيامًا وقيامًا، وتهجدًا، وذكرًا، وتسبيحًا، وتلاوة للكتاب العزيز، وتصدّقًا، وإنفاقًا على الفقراء، والمساكين، وإعالة أهل الحاجة، والفاقة، وإعانة للمحتاجين، وتزلفا إلى الله رب العالمين، فمن الإحسان إلى النفس أن تستغله أحسن استغلال، وتجعله وسيلة من وسائل استنهاض العزائم، واستحثاث الهمم، والسعي إلى أن يكونوا- من خلال التدريب فيه - أهلا على استقبال الشهر الفضيل، ويمكن أن أعرض منهجًا ميسّرًا، يمكن البناء عليه والزيادة لمن شاء، وهو قراءة جزء واحد عقب كل صلاة، والجزء يتطلب خمس عشرة دقيقة، فيكون آخر النهار خمسة أجزاء هي خمس وسبعون دقيقة، أي ساعة وربع الساعة، والتسبيح ألف مرة لكل مما يأتي:(سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحان الله، وبحمده سبحان الله العظيم، وأستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد، صلى الله عليه وسلم، وقراءة سورة الإخلاص: «قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد»)، وصلاة عشر ركعات بعد صلاة العشاء، ثم ختامها بالوتر ثلاث ركعات، والتصدق بالقليل جدًّا لأي فقير يسكن بجوارك، والدعاء لك ولوالديك وأولادك، وللمسلمين خمس دقائق، هذا يوميًا ومن شاء المزيد زاد الله له الأجر، ورفع له القدر.

بلغنا الله، وإياكم شهر رمضان، وكتبنا فيمن أدركوا فيه ليلة القدر، ورفع الله لهم فيها المنزلة، والقدر، وتقبل طاعاتهم، وبارك عباداتهم، وبلغهم آمالهم، وكثر أموالهم، وأصلح احوالهم، وهدى أولادهم، وكثر خيراتكم، وبركاتهم، ويسر حسابهم، ويَمَّنَ كتابهم، وخفف عنهم آلامهم، ومحا ذنوبهم، وستر عيوبهم، وأزال غمومهم، وهمومهم، وحقق في رضاه دعواتهم، ومَكَّنَ لهم في أرضه، ورزقهم حسن صحبة، ورفقة، ومودة، ومحبة، وسقيا، وشفاعة النبي- صلى الله عليه، وسلم-، والحمد لله رب العالمين، وكل عام أنتم وأسركم بخير ووئام، ومحبة وسلام.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]