جُبلنا منذ نعومة أظفارنا نحن العمانيون على حب الآخر واحترامه وتقديره ومحاولة مساعدته بأي طريقة ممكنة، ولقد أثرت التنشئة الاجتماعية السلمية أيما تأثير في بناء اللبنات الأساسية لحب المجتمع والوطن والذود عنه بشتى الطرق ودعم كل ما من شأنه الرقي والتطور الشامل، ولو تأملنا منذ الحقبة السابقة وعصرنا هذا بأن مبدأ التكاتف بين أفراد المجتمع لا زالت مغروسة في ذواتهم مع تقدم الزمان وتطور الحياة المعيشية، وقد كنا نرى ذلك جليًا ونحن صغار كيف أن الجميع كانوا لُحمة واحدة في الأفراح والأتراح وموسم حصاد التمور على سبيل المثال لا الحصر.
إن النهج النبوي الذي يؤكد دائما على نشر الخير بين الناس بأي قدر يستطيع به الفرد لهو مفتاح لإرساء العدلة والشعور بالرضا لدى كل شرائح المجتمع، فما التكاتف بكافة أشكاله الذي ينشده الإسلام إلا وجه من وجوه بسط المحبة والتآلف بين الناس، وكم هي الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة العديدة التي تدل على أن الأفعال الصغيرة حتى وإن كانت قليلة شكلا، ولكن لها أثر كبير على الآخر وللشخص صاحب الفعل نفسه، فالرجل الذي سقى للكلب كان له خير وافر، والإنفاق لو بشيء بسيط فله مردود مضاعف كالسنبلة التي أصحبت 700 في بركتها وأثرها.
من الناحية العلمية التي بالإمكان طرحها في هذا السياق هي نظرية أثر الفراشة التي ترمي إلى أن الأفعال البسيطة تؤدي إلى نتائج هائلة في حجمها ووزنها، فمؤسس هذه النظرية عالم الأرصاد الجوية والرياضيات الأمريكي إدوارد لورنز، حيث اكتشف بأن التغيرات الطفيفة في الظروف الأولية لنماذج الطقس المختلفة قد تؤدي إلى نتائج كبيرة وغير متوقعة، وشبّه ذلك بتأثير رفرفة الفراشة في مكان ما بحدوث إعصار في مكان آخر من العالم حيث أن الفعل والأثر هنا متغيران بشكل كبير في حجمه ومكانه.
وهنا نجد جوهر العمل التطوعي؛ فأولئك المخلصون لا يعملون رياءً ولا مباهاة، بل حباً في الخير. هؤلاء يشعرون بالسعادة الحقيقية حينما يرون البسمة مرتسمة على وجوه المستفيدين. إن نشر العلم، كأبسط مثال، لا يحتاج دائماً إلى ذلك المجهود العظيم الذي يتصوره البعض، ولكن أثره يكون شاملاً ومؤثراً، خاصة مع توافر السبل الحديثة للقيام به، والتي تجعل من رفرفة متطوع واحد أثراً مثمرا ومستمرا.
علي بن جميل النعماني