جسَّدتِ الحرب العالميَّة سياسة المحاور والأحلاف بشكلٍ لافت، وجاء مشروع (مارشال) عام 1947م لضخِّ ما يقرب من (13) مليار دولار أميركي لإعادة إعمار وتشغيل الاقتصاد الأوروبي أعقاب الحرب العالميَّة الثانية. ويُعَدُّ هذا المشروع من أهم إرهاصات سياسة المحاور والأحلاف في تلك الحقبة؛ فكان له أثَر كبير في تعافي اقتصاد أوروبا. وبعد مشروع مارشال بعامين تمَّ تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949م الَّذي أصبح لاحقًا اليد الطولى للنفوذ الغربي والأميركي على وجْه الخصوص، والمحاور الدوليَّة كمفردة دارجة في السياسة العالميَّة يحكمها مستوى المصالح في العلاقات الدوليَّة، بالمقابل نجح الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقيَّة في تأسيس حلف (وارسو) عام 1955م، ثم جاء مبدأ أيزنهاور عام 1957م لدعم الدول اقتصاديًّا متسقًا مع سياسة المحاور والأحلاف الدوليَّة، وفي إطار سياسة المحاور والأحلاف نشبت في تلك الحقبة بعض الحروب الإقليميَّة كالحرب الكوريَّة (53-50) وحرب فيتنام (75-55) كما حدثت أزمة الصواريخ الكوبيَّة عام 1962م والَّتي وضعت العالم على شفير حرب مدمِّرة، وانتقل الصراع بَيْنَ القطبَيْنِ الدوليين إلى ما يُسمَّى بالحرب الباردة، كُلُّ تلك الصراعات الإقليميَّة ارتبطت بسياسة المحاور والأحلاف، بل شاركت دول عديدة تُمثِّل المحورين الشرقي والغربي في تلك الحروب.
في العالم العربي كانت القاهرة تُمثِّل محور الحراك العربي والدولي في الخمسينيَّات والستينيَّات إبَّان عهد الزعيم جمال عبدالناصر الَّذي أسهم في إنشاء مؤتمر عدم الانحياز في باندونج عام 1955م، فكانت حركة عدم الانحياز تضمُّ دوَلًا صاعدة من دول العالم الثالث بعد الحقبة الاستعماريَّة، وقد تبنَّت تلك الحركة مبادئ مهمَّة كحقِّ تقرير المصير والاستقلال الوطني والكفاح ضدَّ الاستعمار، والسيادة وعدم الانتماء للأحلاف العسكريَّة. فكان لا بُدَّ لدول العالم الثالث من الارتباط بسياسة المحاور وخصوصًا في الوطن العربي، نظرًا لحاجة العرب إلى التوازن الدولي؛ لذا كانت حاجة العرب في تلك المرحلة للارتباط مع القطب السوفييتي كضرورة ومسألة ذات أهميَّة قصوى نتيجة الصراع العربي «الإسرائيلي» الدَّائر والدَّعم الغربي لـ»إسرائيل». لكنَّ هيمنة المحور الغربي ظلَّتْ أكثر اتِّساعًا في الوطن العربي وفي العالم عمومًا. وفي إطار تلك سياسة المحاور كذلك تمَّ تأسيس حلف بغداد عام 1955م والَّذي تحوَّل لاحقًا إلى ما يُسمَّى بحلف السنتو بعد ثورة يوليو ـ تموز 58م بالعراق، ليتحول العراق بعدها من النظام الملكي إلى الجمهوري. ورغم أنَّ الاتحاد السوفييتي كان مناصرًا للعرب منذُ العدوان الثلاثي على مصر 56م بعد تأميم قناة السويس مرورًا بحرب 67م، وصولًا للانتصار الَّذي حقَّقه العرب في حرب أكتوبر 1973م والَّذي كان بدعم سوفييتي وأسلحة سوفيتيَّة، ثم تحوَّلت الشقيقة الكبرى جمهوريَّة مصر العربيَّة نَحْوَ المحور الغربي، ممَّا عزَّز ذلك التوجُّه توقيع اتفاقيَّة السلام مع «إسرائيل» في كامب ديفيد عام 1978 واتفاقيَّة السلام 1979م، إلَّا أنَّ سياسة المحاور والأحلاف ظلَّت قائمة، وبقي العالم بَيْنَ هذين المحورين حتَّى سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991م وسقوط جدار برلين بَيْنَ الألمانيتين، معلنًا بذلك انتهاء مرحلة الثنائيَّة القطبيَّة، فتصدرت الولايات المُتَّحدة المشهد العالمي، وهيمنتْ على النظام الدولي سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا من خلال بعض المؤسَّسات كالأُمم المُتَّحدة والبنك الدولي وحلف الناتو، وأصبح العالم تحت رحمة القطبيَّة الأحاديَّة، فتوسَّع حلف الناتو لاحقًا تماشيًا مع مرحلة الأحاديَّة القطبيَّة، بل إنَّ الولايات المُتَّحدة تولَّت رعاية السلام في الشرق الأوسط في مرحلة التسعينيَّات ما أثمر عن توقيع اتفاقات أوسلو بَيْنَ «إسرائيل» والسُّلطة الفلسطينيَّة في واشنطن 1993م تبعتها اتفاقيَّة وادي عربة مع الجانب الأردني عام 1994م، وظلَّت عمليَّة السلام تراوح مكانها في تلك المرحلة في ظل رعاية الولايات المُتَّحدة، فلم يحدُث أيُّ تقدُّم في مسارات القضيَّة الفلسطينيَّة وقضاياها الرئيسة كالحدود واللاجئين والقدس والمستوطنات، بل زادت وتيرة الاستيطان، وزاد التوحش والجبروت الصهيوني رغم وجود المقاومة الَّتي تضيء عتمة المشهد، ثم حدثت حرب الخليج الثانية والحرب الأميركيَّة على العراق وأفغانستان 2001م، وقد عانت منها الولايات المُتَّحدة مع استمرار وجود قوَّاتها في البلدين. واستكمالًا لموضوع سياسة المحاور والأحلاف ظهر الدّب الروسي مجدَّدًا على مسرح الأحداث بعد غياب عَقديْنِ من الزمان منذُ سقوط الاتِّحاد السوفييتي، حيثُ برز الوجود الروسي في المنطقة محاولًا إعادة المحور الشرقي إلى الواجهة، وعادت المنافسة العالميَّة مع ظهور أقطاب جديدة تتشكل على المسرح الدولي، وأبرزها القطب الصيني المنافِس الأبرز للولايات المُتَّحدة والَّذي يتحول الآن إلى الصدارة العالميَّة.
وأخيرًا، لا بُدَّ من التوقف أمام محطَّتين رئيستين ومهمَّتين: الأولى تتعلق بضرورة تقييم الموقف العربي الراهن، وعمل مراجعة نقديَّة ذاتيَّة شفافة تتعلق بمدى استفادة العرب من خلال قراءة الوضع العربي الَّذي زاد تراجعًا مع الأحداث، وزاد التشرذم العربي، للأسف الشديد. فهل يُمكِن للعرب العودة إلى الاستقلال الوطني الكامل ودعم وحدة الموقف العربي؟ وهل أصبحت العلاقات الدوليَّة تَقُوم على الاحترام المتبادل؟ إلَّا أنَّ المحطَّة الأخرى الأشدَّ هي: هل المعطيات الدوليَّة تسمح بإمكان البحث عن حليف موثوق ومضمون في لُعبة سياسة المحاور والأحلاف الدوليَّة؟
أعتقد أنَّ الجواب يتطلب إرادة جماعيَّة حقيقيَّة، ومصالحة عربيَّة شاملة تفرض نفسها على الجميع لفتحِ صفحة جديدة للتخلص من تبعات الماضي والاعتراف بالخطأ، والمسارعة في علاج تلك الأخطاء وعدم الارتهان للخارج إن أراد العرب البقاء وتجنُّب الكارثة.
خميس بن عبيد القطيطي