الخميس 12 فبراير 2026 م - 24 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

محبوبتي ورحلة الأيام

محبوبتي ورحلة الأيام
الأربعاء - 11 فبراير 2026 07:10 ص

جودة مرسي

10

احتفلنا خلال الأيَّام الماضية ـ وتحديدًا في الثامن والعشرين من يناير الماضي ـ بالذكرى السادسة والخمسين لميلاد عميدة الصحافة العُمانيَّة (الوطن) الغرَّاء. ولأنَّني أحد الكثيرين الَّذين تشكَّلت معالمهم، وحفرت على وجوههم سنوات مضيئة من العمل بالحِبر والورق في بلاط (الوطن) الغرَّاء، منذُ (37) عامًا، وتحديدًا في الثالث عشر من نوفمبر العام 1989، حيثُ بدأتُ الرحلة مع عشيرتي في سلطنة عُمان، الَّتي أسعدني بها القدر قَبل أن يكُونَ اختيارًا، وعشتُ بَيْنَ أهلها شديدي التفرُّد والتميُّز بحُسن الخصال، فكانت رحلتي الأولى للترحال عن مكان الميلاد، ولن أسميها اغترابًا، بل تكسيرًا للسياقات التقليديَّة في التعريف بالغربة؛ لأنَّها كانت وطنًا جعلني أملك الرصانة الَّتي أكسبتني الابتعاد عن الاجتزاء، والتوقف عِندَ إشباع الذَّات باحترام كونك إنسانًا في رحاب وطن يعظم قِيمة الإنسان، ولا يشعرك بالاغتراب، بعيدًا عن الأرقام والأشخاص والأحداث والأماكن والتفاصيل.

والبداية كانت مع هبوط الطائرة وأول انطباع عن مسقط العامرة الَّتي أسرني حُبها، لأشعر بالمعنى الحقيقي لهمسِ أُمِّ كلثوم وهي تتغنى (هويت الحسن طول عمري وطيفه كان نديم فكري) فكنتُ عِندَ الميعاد لأهوى الجَمال والحُسن لوطنٍ قيادةً وشَعبًا وأرضًا وتاريخًا.. ومع أول يوم عمل لي في الجريدة تأكد الانطباع في لقاء التعارف مع المدير العام ـ رئيس التحرير، المسؤول عن هذا الصرح الكبير، خرجتُ من اللقاء بسؤالين أساسيين: متى وأين؟ ذلك ولأنَّ الشهادات التاريخيَّة تختلف عن عمليَّات حكّ الذاكرة وكحت الذِّهن، أو شفط الأحداث، فكان عليَّ أن أكُونَ أمينًا في سردها، فكانت متى للبحث عن الزمن الَّذي مرَّ على هذا الرجُل لِيكتسبَ كُلّ هذه الخبرة مع صغر سنِّه ـ حينهاـ، وأين هي المحطَّات الَّتي مرَّ عليها لِتجعلَه مؤثِّرًا في مَن حَوْله بهذه المَحبَّة والتقدير والاحترام، فتعلمتُ منه الكثير، وأهمُّ ما تعلَّمتُه هو أن أجيد غرس البذور ولا أستعجل ثمارها، وعلى أرض الواقع شاهدتُ قيام الجريدة بمهام وطنيَّة جاء ثمارها مميزًا، حين ابتعثت بعض الزملاء للتعلُّم خارج البلاد لمهنة الصحافة على حسابها، منهم مَن ذهب للتعلم في المغرب، ومنهم مَن ذهب إلى القاهرة، فأصبحوا بعد ذلك كوادر مشهودًا لها، هذا فضلًا عن استقدام العديد من الزملاء المحررين والمصحِّحين والفنيين أصحاب الخبرة في مهنة الصحافة العربيَّة، ليقوموا بنقل خبرتهم إلى زملائهم العُمانيين، سواء في مقر الصحيفة في مسقط أو المراسلين في الولايات، الَّذين حملوا فيما بعد مسؤوليَّة التحرير في جريدة (الوطن)، بل البعض منهم حملوا عبء الإعلام العُماني في الكثير من المواقع الأخرى بعيدًا عن الجريدة. ولِكَيْ تكُونَ (الوطن) صاحبة الريادة والتميُّز كان للجريدة مراسلون وكتَّاب في معظم عواصم العالم ذات القرار، أسهموا في إصدار العديد من المطبوعات لمختلف المجالات (صحتنا، آفاق اقتصاديَّة، فتون، الملاعب، الجامعي) بخلاف الملاحق الأسبوعيَّة الثقافيَّة والرياضيَّة، والدِّينيَّة.. فكانت وما زالت (الوطن) تنقل صورة مضيئة عن سلطنة عُمان دُونَ مغالاة أو تزييف، وهي صامدة تحمل عبْء التحوُّلات الاقتصاديَّة للمطبوعات الورقيَّة، ذكريات جميلة ومواقف عظيمة تحملها المخيلة عن هذا البلد العظيم الَّذي احتضن ورحَّب بكُلِّ زائر ومُقِيم، وعن بلاط (الوطن) الغرَّاء معلمة الأجيال وأول صحيفة تصدر في سلطنة عمان تحمل شعار «صوت عُمان في الوطن العربي». ولن تكفيني العديد من المساحات الورقيَّة لأسردَ كُلَّ ما شاهدتُه وتابعتُه وتعلمتُه في بلاط (الوطن) فهي قصَّة مطبوعة بالحِبر والورق لكُلِّ مَن يريد أن يتعلم معنى الوطنيَّة من بلاط الصحيفة إلى ربوع الوطن، عاشت (الوطن) أبد الدهر وهي صوتٌ لعُمان في قارَّات الدنيا الخمس.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»