دعا الرَّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن تبحث أوروبا عن وسيلة اقتراض وتعامل نقدي دولي بعيدًا عن الدولار الأميركي. قد لا يبدو ذلك مستغربًا في ظل حديث متصاعد في العامين الأخيرين بشأن تخلِّي دول العالم عن التعامل الدولاري في مدفوعاتها وتسوياتها الماليَّة العابرة للحدود. وبدأت تلك الدَّعوات تكتسب زخمًا عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 مع فرض العقوبات على روسيا، وتجميد مئات المليارات من أُصولها الدولاريَّة لدَى الغرب. وكثرت التحليلات حَوْلَ إمكان أن يحلَّ اليوان الصيني محلَّ الدولار في التعاملات الماليَّة العالميَّة، بل إنَّ الأمر نوقش في اجتماعات كتلة بريكس الَّتي تأسَّست من قِبل الصين والبرازيل وجنوب إفريقيا وروسيا وانضمَّتْ إليها عدَّة دول من بَيْنِها دول عربيَّة. إلَّا أنَّ كُلَّ ذلك ظلَّ في إطار الدَّعوات والنقاشات والتعليقات دُونَ أيِّ إجراء فعلي. على الرغم من أنَّ الصين توسِّع تعاملاتها باليوان مع شركائها ضِمن مبادرة «الحزام والطريق» الَّتي أصبحت تضم أكثر من نصف دول العالم.
قَبل ذلك بسنوات، كان هناك تفاؤل بشأن العملة الأوروبيَّة الموحَّدة (اليورو) الَّتي أطلقت مطلع القرن وإمكان أن تأخذ من نصيب الدولار في التعاملات الماليَّة العالميَّة. لكن بعد رُبع قرن ما زال اليورو لا يُمثِّل سوى خمس التعاملات الماليَّة العالميَّة تقريبًا. كما أنَّ الصين ـ وإن كانت في تنافُس ورُبَّما صراع اقتصادي مع الولايات المُتَّحدة ـ لا ترغب في أن تحلَّ محلَّ أميركا في كثير من أُمور القيادة العالميَّة لأسباب ذاتيَّة صينيَّة بالأساس. لا يعني ذلك أنَّ دعوة الرَّئيس ماكرون مجرَّد تصريحات سياسيَّة للاستهلاك المحلِّي والأوروبي وبالتَّالي لا تأثير لها. على العكس، فالموقف الفرنسي يتَّسق مع بقيَّة مواقف باريس فيما يتعلق بالعلاقات الأوروبيَّة ـ الأميركيَّة عَبْرَ الأطلسي. ومع أنَّ ألمانيا هي أكبر اقتصاد في أوروبا، وبالتَّالي تحمل ثقل القيادة الأوروبيَّة، إلَّا أنَّ فرنسا دائمًا ما كانت مواقفها متقدِّمة فيما يتعلق بعلاقة الاتحاد الأوروبي مع الآخرين، سواء حلفاء كأميركا أو منافسون كالصين أو مناوئون كروسيا.
إنَّما تظلُّ الدَّعوة الفرنسيَّة للتخلِّي الأوروبي عن الدولار الأميركي محكومة بعوامل اقتصاديَّة وماليَّة يفرضها النظام العالمي الحالي. فهي إذًا دعوة سياسيَّة في أغلبها، لكنَّ تحقيقها ليس منوطًا فقط بالإرادة السياسيَّة، وإنَّما بواقع عالم المال والأعمال. هي دعوة سياسيَّة في سياق رد الفعل الأوروبي على سياسات إدارة الرَّئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه حلفاء أميركا الغربيين قَبلها تجاه منافسي أميركا في الشرق. رُبَّما تكُونُ سياسات الإدارة الأميركيَّة في الحقيقة هي العامل الأهم في إضعاف مكانة الدولار العالميَّة، رغم تصريحات الرَّئيس ترامب بأنَّه يريد الحفاظ على مكانة الدولار عالميًّا وهيمنة العملة الأميركيَّة على النظام المالي الدولي. إنَّما الواقع أنَّ سياسات واشنطن الماليَّة والاقتصاديَّة تستهدف إضعاف الدولار، ليس فقط بهبوط سعر صرفه وقِيمته وإنَّما أيضًا تردّد كثيرين في العالم في اللجوء إليه كمخزن تحوُّط للقِيمة. وحتَّى في المعاملات الماليَّة، بدأ كثير من دول العالم اللجوء إلى تسوية مدفوعاتها الخارجيَّة إمَّا باتفاقيَّات تبادل عملات مع شركائها بعيدًا عن الحسم بالدولار أو من خلال ترتيبات أخرى تقلِّل من الاعتماد على العملة الأميركيَّة.
يعود أغلب تلك التطورات إلى أسباب سياسيَّة وليس فقط نتيجة ارتفاع أو انخفاض قِيمة الدولار. ومع أنَّ واشنطن تدرك أهميَّة هيمنة عملتها على النظام المالي في تعزيز مكانتها كقوَّة عظمى وحيدة، إلَّا أنَّ سياساتها الماليَّة والاقتصاديَّة لا تعزِّز ذلك عمليًّا. وإذا كان بإمكان الولايات المُتَّحدة فرض إرادتها عَبْرَ العقوبات وفرض الرسوم والتعريفة الجمركيَّة وغيرها من الإجراءات الَّتي توسَّعت فيها إدارة الرَّئيس ترامب، إلَّا أنَّه يصعب إجبار العالم على الاحتفاظ بمكانة الدولار وهيمنته العالميَّة. فهنا يتراجع دَوْر السياسة لصالح دَوْر الاعتبارات الاقتصاديَّة والماليَّة الَّتي رُبَّما لا تتحكم فيها أميركا تمامًا. إنَّما في الوقت نفسه لا تتحكم بها الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد أميركا، ولا حتَّى أوروبا كما يريد الرَّئيس الفرنسي سياسيًّا.
صحيح أنَّ الدولار فقَدَ كثيرًا من هيمنته العالميَّة، فبعدما كان يُمثِّل أكثر من ثلثي التعاملات الماليَّة الدوليَّة أصبح نصيبه عِندَ النصف ورُبَّما أقل. مع ذلك، يظلُّ الدولار الأميركي صاحب النصيب الأكبر من تعاملات المدفوعات والتحويلات عَبْرَ الحدود. كما أنَّ حيازة أوراق الدَّيْن الأكبر والأهم في العالم هي بسندات الخزانة الدولاريَّة. بالتَّالي، يصعب تصوُّر أن يتمَّ التخلِّي عن هيمنة الدولار عالميًّا تمامًا، ليس لأنَّه لا إرادة سياسيَّة لذلك، بل لأنَّ النظام المالي العالمي لا يوفِّر أيَّ بديل لهيمنة الدولار. حتَّى ما يَحدُث في السنوات الأخيرة، من خروج المستثمرين من الأُصول الدولاريَّة واللجوء إلى الذهب والفضة كملاذ آمِن وتنويع البنوك المركزيَّة ما لدَيْها من احتياطيات أجنبيَّة بشراء الذهب على حساب الدولار، ليس بكافٍ للتخلِّي تمامًا عن الدولار. قد تضعف هيمنة الدولار، لأسباب سياسيَّة وماليَّة واقتصاديَّة بحتة، لكنَّها لن تنتهي، على الأقل في المستقبل المنظور. إذ إنَّ ذلك يتطلب تغييرًا جذريًّا في النظام المالي العالمي لا يبدو أنَّه سيَحدُث قريبًا. ومِثلَما يمرُّ العالم بفترة انتقاليَّة منذُ ثمانينيَّات القرن الماضي ما بَيْنَ نظام عالمي قديم ونظام عالمي جديد مستهدف لم يتحقق حتَّى الآن، كذلك الحال مع النظام المالي وهيمنة الدولار.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري