•ها أنا أعود مجددًا للمعادن النادرة، ولكن هذه المرَّة من زاوية حراجتِها.
•لقد حفَّزني إلى ذلك المؤتمر الوزاري الَّذي احتضنته العاصمة الأميركيَّة واشنطن في الرابع من فبراير الجاري بحضور خمسين دولة للبحث بشأن تكثيف جهود تجارةٍ أضمن لهذه المعادن.
•عودتي إلى الموضوع جاءت لمجرَّد مقارنة مع العمل العربي القومي العام المشترك والنسيان الفاضح الَّذي يتعرض له، بَيْنَما يلملم بقيَّة العالم نفسه بالمزيد من الشراكات لمواجهة الخواء التنموي والتجاري.
•للتعريف فحسب، المعادن الحرجة اكتسبت هذا التوصيف لصعوبة استخراجها ومساهمتها المهمَّة جدًّا في تطلُّع الدول للحصول على المزيد من الطاقة النظيفة، وكذلك استخدامها للعلاجات الطبيَّة في مواجهة أمراضٍ فتاكةٍ، وتغذية فرص لبناء صناعات أحدث على صعيد التقنيَّات الرقميَّة.
•لماذا لجأت إلى هذه المقارنة؛ لأنَّ العمل العربي المشترك بنسخته القوميَّة ما زال يفتقر بشكلٍ صارخٍ لأرضيَّات إنتاجٍ، بمعنى اخر حراجته رغم أنَّه الأقدم في أسبقيَّات الآمال التنمويَّة القوميَّة.
•لقد تأسَّس مجلس الوحدة الاقتصاديَّة العربيَّة عام 1964، وعُقدت من أجْل تفعيله العديد من النشاطات، قِمم عربيَّة، اجتماعات وزراء، ندوات، حلقات عمل ولقاءات، أبرزها القمَّة العربيَّة الَّتي عُقدت في العاصمة الأردنيَّة عمَّان عام 1981، مرورًا بعدد من القِمم الأخرى، منها قمَّة بيروت عام 2001 الَّتي ناقشت الموضوع جزئيًّا لإرساء تنمية قوميَّة متوازنة تضع بالاعتبار محاذير إهمال الشراكات.
•لقد كنتُ ضِمن الوفد العراقي الإعلامي، وأذكُر أنَّني حررتُ تقريرًا مفصَّلًا نشرته وزارة الثقافة والإعلام الَّتي رشَّحتني ضِمن الوفد لتلك القمَّة.
•لقد حذَّرت آنذاك من انكشاف يلاحق البنية الاقتصاديَّة العربيَّة ذات الطابع القومي جرَّاء التذبذب الواضح الَّذي تتعرض له، وأنَّ الوضع لا يحتمل انتظارًا سائبًا، ثم جاءت قمَّة الكويت، يناير عام 2009، لِتضعَ على الطاولة العربيَّة أجندة عمل قومي تنموي مشترك يستدعي تكوين غرفة عمليَّات تتبنى مفهومًا لوجستيًّا، ومع ذلك، لم نجدْ ما نفتخر به لصالح عنوان ميداني يُمكِن التعويل عليه.
•إنَّ العالم الآن في مواظبة متواصلة لتفتيش الزوايا بهدف التقاط ما يجده مناسبًا لتعزيز الشراكات التضامنيَّة، وتكوين شراكات جديدة بِغَضِّ النظر عن هامش الخلافات السياسيَّة، بَيْنَما يغيب العمل العربي التنموي المشترك بعيدًا عن امال خبراء دعوا إلى إجراء تغييرات جوهريَّة لصالحهِ.
•العالم الآن في الشهر الثاني من العام الجديد 2026 والبحث على أشدِّه عن شراكات وتوزيع مهام وتوظيف إمكانات ينبغي أن تكُونَ مشتركة، والرَّئيس الأميركي ترامب أطلق مشروع (فولت) بهدف تكوين خزين ضخم للولايات المُتَّحدة الأميركيَّة تحررها من حراجة الافتقار إلى هذه المعادن، تقابلها صورة لجامعة الدول العربيَّة تختمر فيها أفكارٌ وخططٌ ذهبت عنها المواعيد والاستحقاقات.
أنا هنا لا أنكر وجود توظيفات إيجابيَّة تنمويَّة عربيَّة وطنيَّة ناجحة تستحق التقدير والثناء، ولستُ مخوَّلًا بالمسؤوليَّة في تكوين خزين استراتيجي من تلك المعادن، لكن لنأخذ الأمر من الزاوية القوميَّة الإقليميَّة للاقتصادات العربيَّة و(معدن) العمل العربي المشترك الجاهز للإنتاج لو تبنَّى العرب مناهج مشتركة تدعم التنميات الوطنيَّة.
•لا شك أنَّ الربح سيكُونُ بنيويًّا في كُلِّ الاحتمالات، لماذا؟ لأنَّ فرص التأهيل على هذا الطريق لا تَقْبل الخسارة.
•هناك قائمة طويلة من هذه التوجُّهات الَّتي تنتظر التحرك قياسًا بالحاجات المشتركة، ومن الحتمي أن تكُونَ سوقها عامرةً بالتطور.
•في الواقع، توجد إشكاليَّة تكمن في جوهر العمل القومي المنكمش، إن لم أقل المتنصل عن تبنِّي مناهج تنمويَّة تنتشل الشراكات القوميَّة من الخلافات السياسيَّة.
عادل سعد
كاتب عراقي