كلنا نعي -وللأسف الشديد -بأن السرطان لا يدخل حياة الإنسان بهدوء. يأتي هكذا كخبر صادم، يقطع استمرارية الأيام، ويجبر المريض وأسرته على إعادة ترتيب كل شيء في حياتهم . فتختفي كل تلك الأحلام هكذا مع الوقت. وفي تلك اللحظة،حقيقة من سيفكر بالإحصاءات العلمية والعالمية! ذلك الفرد سيكون سؤاله بسيطا ولكنه فعلا مؤلم ! سيقول ماذا بعد؟
ورغم قسوة هذا السؤال، فإن العلم اليوم يحمل إجابات أكثر أملا مما كان عليه في أي وقت مضى. حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن التقدم في فهم بيولوجيا السرطان غير بشكل حقيقي مسار التعامل معه.وربما أضحى اليوم كما نلاخظ جميعا كيف أن هذا الفهم مكن الطب من الانتقال من العلاج العام القاسي إلى العلاج الموجه، والعلاج المناعي حتى وصلنا إلى العلاج الجيني، وهي أساليب أثبتت في دراسات واسعة قدرتها على إطالة العمر وتحسين جودة الحياة، وأحيانا تحقيق شفاء طويل الأمد. ولكي أكون صادقا يجب أن نذكر الشيء بوضوح وبدون مجاملة ،وندرك أن أعظم إنجاز طبي في مواجهة السرطان ليس الدواء، بل الاكتشاف المبكر. الأبحاث تؤكد أن تشخيص السرطان في مراحله الأولى يغير القصة بالكامل،تؤدي أحيانا إلى نسبة شفاء قد تتجاوز التسعين بالمائة في بعض الأنواع. ومع ذلك، لا يزال الخوف والتأجيل، أسباب مهمة في وصول كثير من المرضى في مراحل متقدمة. وهنا عندما نذكر المجتمع من خلال يوم كاليوم العالمي للسرطان ، فإنني أحمل رسالة مسؤولية وليست مناسبة عاطفية فقط نعي بعدها والتزامنا بمجتمعنا.
من ناحية أخرى ، السرطان يكشف هشاشتنا النفسية بقدر ما يكشف ضعفا مباشرا خصوصا وأن دراسات متعددة أظهرت أن الحالة النفسية والدعم الاجتماعي يؤثران بشكل مباشر في استجابة المريض للعلاج. فذلك المريض الذي يشعر بأنه مسموع ومدعوم، يتعامل مع العلاج بشكل أفضل ويحتفظ بإرادة الحياة حتى في أصعب المراحل. لهذا، فإن الكلمة الصادقة والحضور الإنساني، وعدم التعامل مع المريض كحالة فقط هي جزء لا يتجزأ من العلاج.
وهنا يأتي مفهوم الوقاية الذي يجب أن نصر عليه ونلتزم به،خصوصا وأن الأبحاث أكدت بأن نسبة كبيرة من السرطانات مرتبطة بعوامل يمكن التحكم بها. على سبيل المثال كالتدخين والسمنة و التغذية غير الصحية، والتعرض المزمن لمواد مسرطنة. طبعا لا أقصد بالوقاية أن يكون خطابي مثاليا بل أجزم أنه خيار واقعي يجب أن نلتزم به في مجتمعاتنا،بداية من المدرسة والبيت.
ختاما، حين نتذكر اليوم العالمي للسرطان ،وحتما لا نحتفل بالمرض، بل نكرم صمود أولئك المرضى ، والأسر التي تعلمت معنى القوة وهي لا تدري. اليوم العالمي للسرطان هو أكيد تذكير بأن الأمل ليس كلمة عاطفية، بل فعل يومي عبارة عن فحص مبكر ودعم صادق وإنسان لا يترك وحده في معركته.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي