الأربعاء 20 مايو 2026 م - 3 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

غرائب القرآن : «قراءة فـي غريب القرآن وبيان جلال معانيه وكمال مبانيه والوقوف على الفروق اللغوية بين ألفاظه ومراميه» «انبجس، وانفجر» «1»

السبت - 16 مارس 2024 03:59 م
10


يقول الله تعالى:(وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضربْ بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) (الأعراف ـ 160).

الفعل (انبجس) هنا فعلٌ خماسيٌّ، زِيدَتْ في أوله الألفُ، والنون، فأصله من الثلاثي «بَجَسَ»، وتعني اللفظة- كما هو في معاجم اللغة- : بدأ يتفتَّق، وينشقُّ، ويسيل شيئا فشيئا قبل الانفجار، يقال: «بجس السدَّ، والجُرْحَ: شقَّه، فسال منه الماءُ، والدمُ، وبَجَسَ الماءَ: فجَّره، وكذا انبجس بمعنى سال، وبدأ يتدفق، ثم انفجر...، وبئر بَجِيسٌ: غزيرة، وما ء بجيس: سائل.

وأما الفعل (انفجر) فلا شك أنه مختلف في دلالته عن الفعل:(انبجس) لكنَّ أغلب المفسرين لم يذكروا فرقًا كبيرًا بينهما، فقد ذهبوا إلى أن «انبجس مثل انفجر»، وأنهما بمعنى واحد، وليس الأمر كذلك؛ لأن الله - تعالى- قال في آية البقرة:(وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) (البقرة ـ 60)، بينما- فيما نحن بصدده- من آية الأعراف:(وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضربْ بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا).

ولا شك أن السياقَ مختلف بين الكلمتين في السورتين الكريمتين ، وأن دلالةَ الانفجار تتباين مع دلالة الانبجاس، ونرصد هنا أهمَّ أوجه الاختلاف، وسببَه في «انفجر» هناك، وفي «انبجس» هنا في الآتي: تفيد المعاجم أن مادة الثلاثي:(فجر) تدل على التفتح في الشيء، ومن ذلك سُمِّيَ الفجرُ فجرا؛ بسبب انفجار الظلمةِ فيه عن الصبح، وانفجارُ الماء: تفتُّحُه، وخروجُه من محبسه سريعًا، والفُجْرَة: موضعُ تفتح الماء، وسُمِّيَ الانبعاثُ، والتفتُّح في المعاصي: فجورًا، وكذا سُمِّيَ الكذبُ فجورًا، وتتابع هذا الاستعمال حتى وُصِفَ كلُّ مائلٍ عن الحق فاجرًا، ثم خُصَّ شَرْعًا فيما لحق لفظ (الفجور) بالزنا، واللواط ، ونحوه من المعاصي الكبيرة.

أما مادة الفعل الثلاثي:(بَجَسَ) فتدل في اللغة على مجرد الانشقاق، وبَدْءِ خروج الماء، وليس تفجُّره، وتوحي حروف الكلمة بالهدوء، وعدم سماع صوت الانفجار وتدفق الماء، وسرعته، وجريانه، وإنما بدءُ خروجِه بصوته الهادئ، كالسين المهموسة، قال الإمام الخليل- رحمه الله-: «البَجْسُ: انشقاق في قُربة، أو حَجَرٍ، أو أرضٍ ينبُع منه الماء، فإن لم ينبعْ، فليس بانبجاس»؛ وعليه، جاء قولهم: السحاب يتبجَّس بالمطر، أيْ: ينشق، فيخرج منه الماءُ، ثم تتابعتِ الدلالاتُ على البَجْسِ، فقالوا: رجل مُنْبَجِسٌ، أي: خيره كثيرٌ، وقد ذكر الخليل أن مادة (بجس) لفظ عام، فيقال: انبجست عينُ الماء، وانبجس السحابُ، وانبجس سَكْرُ النهر (ما يُسَدُّ به النهرُ)، ثم إن أغلب المفسرين- كما سبق- لم يذكروا فرقًا يُذْكَر بين هذين اللفظين، بل فسَّروا كلا منهما بالآخر، فقد ذكر الإمام البغوي: «قال المفسرون: انفجرت، وانبجست: بمعنى واحد».

د. جمال عبد العزيز أحمد

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية