تطرح مرتكزات رؤية «عُمان 2040» مفهومًا عميقًا للدولة القائمة على الشراكة، والحوار، والتواصل؛ باعتبارها أدوات استراتيجيَّة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التَّماسُك الاجتماعي، وتمكين الإنسان العُماني وبخاصَّة الشَّباب، من المشاركة الفاعلة في صياغة المستقبل وصناعة أدواته. وفي هذا الإطار، يأتي الحوار الاجتماعي ليس كإحدى أهم أدوات التواصل ورفع درجة التنسيق والتكامل وبناء أعمدة الشراكة، ومنح الحق للمواطن للإسهام الفاعل في مَسيرة البناء والتطوير فحسب؛ بل باعتباره خيارًا استراتيجيًّا وطنيًّا لإدارة التحوُّلات، وبناء التوافقات، وصناعة القرار القائم على المشاركة والشفافيَّة.
ويُمثِّل ملتقى «معًا نتقدم» الَّذي أطلقه مجلس الوزراء الموقَّر في نسخته الرابعة قِيمة استراتيجيَّة مضافة، باعتباره محفزًا نوعيًّا لفتح قنوات الحوار البنَّاء بَيْنَ الجهات الحكوميَّة والمُجتمع، ونافذة تُعَبِّر عن التزام الدَّولة بالشفافيَّة والشراكة المُجتمعيَّة في ظل ما قدَّمه في نسخه السابقة من قِيمة مضافة عززت من حضور مختلف شرائح المُجتمع وتفاعل المواطنين والمُقِيمين مع أداء الجهاز الحكومي، وإتاحة الفرصة لتقديم الملاحظات والآراء لمتَّخذي القرار بشكل مسؤول يسهم في تحسين الخدمات، وتطوير البيئة المؤسَّسيَّة بما يتواكب مع تطلُّعات رؤية «عُمان 2040»، وبما يعزز من كفاءة اتخاذ القرار ويرسِّخ مبدأ المساءلة والشفافيَّة دعما لإنتاجيَّة وجاهزيَّة الأداء الحكومي وتعزيزا للثقة المُجتمعيَّة في العمل المؤسَّسي.
وعلى مدى السنوات الأربع من انطلاقته، نعتقد بأنَّ ملتقى «معًا نتقدم» قدَّم أيقونة وطنيَّة لمفهوم أعمق للحوار، فإنَّ ما حملته أجندة عمل الملتقى والقضايا النوعيَّة الَّتي يطرحها، تُمثِّل تجسيدًا عمليًّا متقدمًا لحوكمة الحوار الوطني، ونموذجًا استراتيجيًّا للشراكة والحوار المباشر بكُلِّ شفافيَّة مع متَّخذي القرار، حيثُ استطاع الملتقى أن يجمع آلاف الشباب العُماني والمهتمين بالشأن العام، في مساحة وطنيَّة مفتوحة لتناول قضايا يتمُّ تحديدها بناءً على استطلاعات رأي واستبانات مُجتمعيَّة، تعكس أولويَّات المُجتمع واهتماماته الحقيقيَّة، وتُحوّل الحوار من حالة فرديَّة إلى ممارسة مُجتمعيَّة واسعة.
ومع الاعتراف والثقة بما أنجزه الملتقى في مَسيرة العمل الوطني منذ انطلاقته في عام 2023 سواء على مستوى بناء ثقافة وطنيَّة تضع الحوار كأساس مفصلي في العلاقة بَيْنَ المواطن والمؤسَّسات، أو على مستوى ما تحقق من إنجازات ومتابعات لبعض التوجُّهات الَّتي طرحت في اللقاء أو تمَّت الإجابة على التساؤلات الَّتي طرحت من قِبل الحضور، إلَّا أنَّ السؤال المشروع والجوهري يضعنا أمام تساؤل أعمق وهو: ماذا بعد انتهاء اللقاء؟ وكيف يُمكِن للمؤسَّسات أن تعكس هذه الروح الإيجابيَّة والتفاعليَّة، ومنطق الاستماع والإنصات والحوار، بحيثُ لا تظل حبيسة لحظة زمنيَّة أو فعاليَّة سنويَّة، بل تتحول إلى ثقافة عمل راسخة، ونهج مؤسَّسي مستدام، وسلوك تنظيمي يومي يمارسه المسؤول الحكومي في مختلف الأوقات والظروف؟
إنَّ التحدي الحقيقي ـ في تقديرنا الشخصي ـ لا يكمن في جودة الحوار داخل قاعات الملتقى فحسب، بل في قدرة المؤسَّسات على استيعاب مخرجاته، وترجمتها إلى ممارسات مؤسَّسيَّة تعكس روحًا تغييريَّة قادرة على تجسيد هذا النهج في السياسات، والإجراءات، وآليَّات العمل، وأساليب التواصل، واتخاذ القرار. فحين تنجح المؤسَّسات في نقل منطق الحوار من منصَّة اللقاء إلى مكاتب المسؤولين، وأروقة المؤسَّسات، وغرف الاجتماعات، وخطط العمل، تصبح ثقافة الحوار ممارسة أصيلة، ونواتجها تعبيرًا صادقًا مخلصًا يحمل تلك الهواجس والطموحات والرغبات والتوقعات والفرص والاهتمامات الَّتي ظهرت لدى المشاركين في الملتقى عَبْرَ تنوع الأطروحات وعمق الأسئلة الَّتي تم توجيهها إلى متَّخذي القرار؛ وبالتالي ربط هذا المنتج الحواري في إطار إدارته وحوكمته، بمخرجات قابلة للتنفيذ، بما يعزز الثقة بَيْنَ المُجتمع ومؤسَّسات الدَّولة، ويُقلص الفجوة بَيْنَ السياسات والخطط والبرامج من جهة، وتوقعات المُجتمع من جهة أخرى.
هذا الأمر يضعنا أمام اعتراف حقيقي بالحاجة أيضًا إلى إعادة بناء سلوك المسؤول الحكومي وامتلاكه ثقافة الحوار المنتج والفاعل، وإيمانه ـ عقيدة وثقافة وسلوكًا ـ بقِيمة الرأي الآخر واقتناعه به، واستثماره للحوار كأداة لتحسين القرار، بحيثُ يجعل من الحوار مدخلًا لتحقيق أولويَّات مؤسَّسته، وينطلق من أهداف ملتقى «معًا نتقدم» بما يعزز من كفاءة الأداء المؤسَّسي، واستمراريَّة النتائج، وتعظيم أثرها بعد انتهاء الملتقى.
وعندما تصبح ثقافة الحوار المشترك سلوكًا مؤسَّسيًّا ينتقل بالحوار إلى كونه منظومة متابعة ورصد وتقييم، تُوضع فيها نواتج اللقاءات والتفاعلات موضع الاهتمام المؤسَّسي، وتُدرج ضِمن أجندات العمل، وتُتابع عَبْرَ مؤشِّرات أداء واضحة، وقرارات ناجزة، وأدوات فاعلة، بما يعزز الثقة، ويرفع سقف التوقعات، ويحافظ على الروح المعنويَّة والتفاعليَّة الَّتي يولدها الملتقى حاضرة في الوعي المؤسَّسي والمُجتمعي، فإنَّها بذلك لا تحافظ فقط على الزخم الإيجابي لملتقى «معًا نتقدم»، بل تؤسِّس لمرحلة متقدمة من الإنجاز الوطني القائم على الشراكة والثقة والمسؤوليَّة المشتركة، حيثُ يصبح الحوار سلوكًا يوميًّا، وممارسة أصيلة، وأداة دائمة للتطوير، تعكس نضج التجربة الوطنيَّة، وقدرتها على تحويل التفاعل إلى أثر، والاستماع إلى إنجاز، والحوار إلى قِيمة مضافة مستدامة.
وبالتَّالي أن تتدارك المؤسَّسات هذا المسار وتعمل على استيعابه وفهم المدركات المرتبطة بها في سبيل كسب الثقة المُجتمعيَّة، وتعظيم الصورة النوعيَّة للحوار الاجتماعي المهني المشترك والقِيمة المضافة الَّتي يحققها على منظومة الأداء، فإنَّ توظيف الثقافة المضادَّة ـ مثلًا ـ ( وهي تلك الثقافة المنطلقة من فكر التجديد المؤسَّسي والمتوافقة مع رؤية التطوير الشامل) بمثابة جوهر التغيير، ومنطلق للتطوير، وسبيل تحقيق مستهدفات رؤية عُمان في القِطاع الَّذي تعمل المؤسَّسة عليه، بل الطريق الَّذي يَجِبُ أن يسلك من أجل عمل وطني مشترك، وجهد مؤسَّسي ملموس، وتحوّل نوعي حقيقي يبتعد عن الشكليَّات والمزاجيَّات وأضواء الإعلام والتصريحات وتكرار المعلومات، ليصبح ثقافة مؤسَّسيَّة وإطارًا وطنيًّا تعمل المؤسَّسة على حوكمته وتنظيمه وترقيته مساراته، وعَبْرَ قَبول منطق ثورة الأقلام والأفكار الإعلاميَّة المضادَّة المطروحة، سواء في جلسات الملتقى أو عَبْرَ مختلف الوسائل الإعلاميَّة المتنوعة والمنصَّات الاجتماعيَّة، بحيثُ تتجاوز الردود الوزاريَّة مفهوم الدبلوماسيَّة وإثبات الذَّات، كما تتعدى المسألة زيادة المنصَّات والمنابر الحواريَّة والإعلاميَّة الَّتي تطل بها المؤسَّسات على الجمهور والرأي العام وتعدّدها كما يحصل في اللقاءات السنويَّة للمؤسَّسات وسرعة الردِّ على التساؤلات المطروحة من المستهدفين من خدمات المؤسَّسات؛ إلى التعامل ـ بكُلِّ احترام وتقدير وثقة بالآخر واعتراف بالقصور ـ مع أيِّ نقد يسعى لتطوير المؤسَّسة، ويوجهها إلى الأولويَّات، ومستوى تقبُّل الأفكار المطروحة والرأي الموضوعي المعزز بالإحصائيَّات والمؤشِّرات، في إطار من الشفافيَّة والوضوح والمنهجيَّة العلميَّة والمصداقيَّة البحثيَّة، ليصلَ الأمر إلى اعتراف حقيقي بأهميَّة هذا الحوار والنقاش وتعدُّد وجهات النظر وتقاطعها، ثم التزام المؤسَّسات بمتابعة الخلل والوقوف عليه وتبنِّي مسار المعالجة الفوريَّة، وقَبول المطالبة بالحقوق والاستحقاقات الَّتي يوجبها القانون للمواطن في إطار من الحق والعدل والمساواة.
ومع الثقة بما قدَّمه ملتقى «معًا نتقدم» يبقى الطموح الوطني أكبر من لقاء في يومين إلى مأسسة وحوكمة مستدامة للحوار الوطني، يقوم على آليَّات عمل واضحة، وأدوات مقننة، وإجراءات ثابتة، وبرامج وطنيَّة منتجة، بحيثُ تصبح إدارة الحوار وحوكمة مؤسَّساته منطلقًا لبناء ثقافة وطنيَّة راسخة للحوار الاجتماعي، تمتد عَبْرَ القِطاعات المؤسَّسيَّة، والتنمويَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والقضايا الشبابيَّة، وتعزز التكامليَّة في مختلف مفاصل العمل الوطني. أخيرًا، نؤكد على ما طرحناه في أحد مقالاتنا من مقترح تأسيس «مركز السُّلطان هيثم للحوار وبناء قدرات الشباب» تحت الإشراف المباشر لمجلس الوزراء، كخطوة استراتيجيَّة لنقل الحوار الوطني من موسميَّة التوقيت إلى الاستدامة، ومن المبادرات المتفرقة إلى العمل المؤسَّسي المنظَّم، مركز يُعنى بتأطير وحوكمة إدارة الحوار على مختلف المستويات، وبناء بنى تنظيميَّة فاعلة، وتعزيز انسيابيَّة الحوار بَيْنَ مؤسَّسات الدَّولة والمُجتمع، وفق أدوات متابعة وتقييم واضحة، ويرتبط بعمل المركز اعتماد أدوات رصد وقياس وتحليل للقضايا الاستراتيجيَّة وآليَّة التعامل معها، بحيثُ يصبح ملتقى «معًا نتقدم» أحد أعمدة المركز في تعزيز الحوار المُجتمعي بأُسلوب أكثر تفاعليَّة وإنتاجيَّة، ومن جهة أخرى يمارس المركز أدوارًا استثنائيَّة في بناء مهارات الحوار لدى الشباب، والمسؤولين، وقيادات الدَّولة، والعاملين في المؤسَّسات، عَبْرَ برامج وطنيَّة متخصصة، كما يطرح ضمن أجندته معالجة القضايا المُجتمعيَّة والتنمويَّة، وقياس الرأي الاجتماعي، وتحليل السياسات، وصناعة المؤثرين الاجتماعيين الوطنيين، وبناء قدرات الشباب في الفضاء الرقمي، بما يعزز من حضورهم الإيجابي، ويعيد تصحيح ثورة الواقع الافتراضي وفق قِيَم المُجتمع وهُوِيَّته، وعندها يصبح الحوار منهج عمل وطني شاملًا، وسلوكًا مؤسَّسيًّا ومُجتمعيًّا أصيلًا، يعزز الثقة، ويرسِّخ الشراكة، ويوظف مخرجاته في القرار الوطني، لمؤسَّسات أكثر وعيًا، وشباب أكثر تمكينًا، ووطن يتقدم بأبنائه... معًا.
د.رجب بن علي العويسي