يُعِيد قِطاع الصناعة اليوم تعريف موقعه داخل الاقتصاد العُماني بوصفه القِطاع القادر على حمل عبء التحوُّل الحقيقي من اقتصاد يستهلك العائد إلى اقتصاد يصنعه؛ فالصناعة تشتغل بمنطق التراكم، وتبني أثرها عَبْرَ سلسلة متصلة تبدأ بالاستثمار، وتمتد إلى التشغيل، وتنتهي عند التصدير، ما يمنحها وزنًا نوعيًّا داخل معادلة التنويع الاقتصادي. وفي التجربة العُمانيَّة، خرجت الصناعة تدريجيًّا من نطاق تلبية الطلب المحلِّي، وتحوَّلت إلى مساحة اختبار لمدى نضج السياسات الاقتصاديَّة، وقدرتها على تحويل الموقع الجغرافي والبنية الأساسيَّة والحوافز إلى طاقة إنتاجيَّة تنافس خارج الحدود. ويأتي يوم الصناعة العُمانيَّة في هذا السياق كفرصة لقراءة هذا المسار قراءة تحليليَّة، بعيدًا عن لُغة الاحتفال، واقترابًا من سؤال القِيمة المستدامة، وقدرة الاقتصاد على بناء مصادر دخل مستقرة لا تخضع لِدَوْرة مورد واحد ولا ترتهن لتقلُّبات الخارج؛ فمع ترسُّخ الصناعة في قلب النشاط الاقتصادي، يتقدم النُّمو نَحْوَ قدر أعلى من التوازن، وتتسع أدوات الدَّولة في إدارة المخاطر، ويتحول التنويع من هدف معلن إلى ممارسة تشغيليَّة قابلة للاستمرار.
ينقل التصدير القِطاع الصناعي من مساحة الإنتاج المحلِّي إلى ساحة المنافسة العالميَّة، حيثُ تختبر القدرة الحقيقيَّة للمصانع على الالتزام بالجودة، وضبط التكلفة، وإدارة الزمن التشغيلي. وفي هذا الإطار تكتسب الصادرات الصناعيَّة العُمانيَّة معناها الحقيقي بوصفها مؤشِّر نضج بنيوي لا مجرَّد توسُّع كمِّي، فبلوغ قِيمة الصادرات الصناعيَّة نَحْوَ (1.618) مليار ريال عُماني في الربع الأول من عام 2025، بما يعادل قرابة (28) بالمئة من إجمالي الصادرات، يكشف انتقال الصناعة إلى موقع مؤثِّر داخل الميزان التجاري، كما يعكس ارتفاع الصادرات غير النفطيَّة إلى نَحْوِ (6.885) مليار ريال عُماني خلال عام 2025، بنُمو (10.5) بالمئة مقارنة بعام 2024، قدرة المصانع الوطنيَّة على التوسُّع خارج الحدود والاندماج في أسواق أكثر تنافسيَّة. ويأتي هذا الأداء متزامنًا مع نُمو مساهمة القِطاع الصناعي إلى نَحْوِ (9.5) بالمئة من الناتج المحلِّي الإجمالي، في إشارة واضحة إلى أنَّ التصدير لم يَعُدْ نتيجة جانبيَّة للإنتاج، وإنَّما أداة اقتصاديَّة مقصودة تعزِّز الحضور العُماني في الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة، وتمنح الاقتصاد قدرة أعلى على تنويع مصادر الدخل وتقليل التعرض لتقلُّبات الخارج.
ويترجم التوسُّع الصناعي أثره الحقيقي حين ينعكس على سوق العمل والاستقرار الاجتماعي؛ لأنَّ الصناعة بطبيعتها قِطاع يولد وظائف إنتاجيَّة قابلة للاستمرار، ويرتبط ببناء مهارات لدى الكوادر الوطنيَّة. وفي الحالة العُمانيَّة تظهر الأرقام بوضوح هذا البُعد، مع ارتفاع عدد العاملين في القِطاع الصناعي إلى نَحْوِ (248) ألف عامل خلال عام 2025، مقارنة بـ(240) ألفًا و(761) عاملًا في عام 2024، وبنُموٍّ متواصل منذ عام 2020، ما يعكس قدرة الصناعة على استيعاب قوى عاملة متزايدة ضِمن أنشطة إنتاجيَّة مستقرَّة، وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بُعدها الكمِّي، لِتُشيرَ إلى دَوْر الصناعة في بناء طبقة منتجة، وتعزيز التماسُك الاجتماعي، وربط النُّمو الاقتصادي بفرص عمل حقيقيَّة، كما تعكس مشاركة الكفاءات الوطنيَّة، الَّتي تقدَّر بعشرات الآلاف داخل القِطاع الصناعي، نجاح السياسات الهادفة إلى تحويل التعمين من هدف إداري إلى مسار إنتاجي، يسهم في نقل المعرفة وتوطين المهارات.. وبهذا المعنى تصبح الصناعة ركيزة اجتماعيَّة إلى جانب دَوْرها الاقتصادي، توازن بَيْنَ متطلبات النُّمو وضرورات الاستقرار، وتمنح سوق العمل أُفقًا أوسع قائمًا على الإنتاج لا على التوسُّع الاستهلاكي. إنَّ اكتمال دَوْر الصناعة يرتبط بقدرتها على الانتقال من مرحلة التوسُّع إلى مرحلة التنافسيَّة المستدامة، حيثُ يصبح الابتكار والكفاءة والتكامل مع سلاسل القِيمة العالميَّة شرطًا للاستمرار، كما تبرز الاستراتيجيَّة الصناعيَّة 2040 بوصفها إطارًا عمليًّا لإدارة هذا الانتقال من خلال توجيه الاستثمار نَحْوَ صناعات تحويليَّة قائمة على المعرفة والتقنيَّات الحديثة، وتعظيم القِيمة المضافة، وتقليص الاعتماد على الاستثمار الحكومي مقابل رفع مساهمة الاستثمار المحلِّي والأجنبي، كما يعكس ارتفاع حجم الاستثمار الأجنبي في القِطاع الصناعي إلى نَحْوِ (3.490) مليار ريال عُماني خلال عام 2025 تصاعد الثقة في البيئة الصناعيَّة وقدرتها على استيعاب استثمارات نوعيَّة، بالإضافة إلى كشف التركيز على الصناعات الخضراء، والتصنيع الذَّكي، وكفاءة استخدام الطاقة، إدراكًا بأنَّ التنافس الصناعي المعاصر يقاس بقدرة المصنع على الالتزام بالمعايير البيئيَّة، وخفض التكلفة، وتحقيق مرونة تشغيليَّة عالية.. وبهذا المعنى يغدو يوم الصناعة العُمانيَّة محطَّة لتأكيد دخول الصناعة الوطنيَّة مرحلة جديدة، مرحلة يقاس نجاحها بقدرتها على الصمود داخل أسواق مفتوحة، وبناء اقتصاد أكثر توازنًا، وربط النُّمو بالابتكار لا بالتوسُّع العددي ضِمن مسار تنموي طويل الأمد يعزِّز موقع عُمان داخل الاقتصاد العالمي.