الاثنين 02 فبراير 2026 م - 14 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

التعليم فـي عمان: بين البناء الأخلاقي والتوجيه السياسي

التعليم فـي عمان: بين البناء الأخلاقي والتوجيه السياسي
الأحد - 01 فبراير 2026 07:15 ص

د. سلطان بن خميس الخروصي

10


هل من المفترض أن يُنشئ التعليم إنسانًا حُرًّا واعيًا ومسؤولًا أخلاقيًّا؟ أم يكُونُ أداة ناعمة خفيَّة يُدار بها المُجتمع لضبطه فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا؟ لطالَما كانت جدليَّة هذا السؤال عميقة ومطروحة بَيْنَ أروقة المراقِبين في الوسط التربوي والاجتماعي فهو ليس ترفًا فكريًّا، بل أحد أبرز مفاتيح الخريطة التنمويَّة الوطنيَّة؛ فالمدرسة ليست منصَّة محايدة، بل هي ساحة كبيرة تُسبرُ فيها أغوار العقول، وتُبرمج بَيْنَ خوارزميَّاتها كتابة علاقات الفرد بالدَّولة والمُجتمع.

كثيرًا من دول العالَم الحُرَّ بعد ويلات الحروب والصراعات الداخليَّة والتصادمات الفكريَّة القاتمة سَعَتْ لأن تجعلَ من التعليم جسرًا قويًّا نَحْوَ بناء المواطن المفكِّر الناقد والمتوقِّد بالحكمة الواعي لحقوقه وواجباته دُونَ إملاءات أو توجيهات مباشرة. فمنذ السبعينيَّات أقرَّت ألمانيا سياسة التربية غير التلقينيَّة للمواقف السياسيَّة؛ فحظرت طرح الكثير من الوطنيَّة على شكل دروس يستقيها الطلبة بصورة مباشرة، بل قُدمت وكأنَّها موضوعات جدليَّة يجوز مناقشتها بكُلِّ شفافيَّة؛ لِتخلقَ مواطنًا يشارك في الحياة المَدَنيَّة بصورة فاعلة، وبناء منظومة نقديَّة لا جدليَّة تصادميَّة، لِيتحوَّلَ التعليم من «أداة سياسيَّة» إلى مسار موضوعي للتفكير الأخلاقي.

وتُمثِّل فنلندا نموذجًا آخر للتربية الأخلاقيَّة حيثُ جعلتْ من تعليم القِيَم الوطنيَّة أولويَّة قصوى عَبْرَ الممارسات العمليَّة لا الشعارات؛ فدمجتها في جميع المناهج الدراسيَّة وليس في مواد دراسيَّة منفصلة تُلقّن بالحفظ؛ فكانت النتيجة ارتفاع مستوى الوعي بمؤسَّسات الدَّولة وزيادة الثقة بها، وارتقاء مستوى المشاركات المدنيَّة، وخلق تعليم يُنتج الابتكارات والمبادرات لا الولاءات والطاعة المُطْلقة.

وعلى خُطى ألمانيا وفنلندا نجد أنَّ سنغافورة الَّتي تتمتع بتنوع عِرقي ودِيني كبيرَيْنِ نجحتْ في خلق تعليم منضبط بعيدًا عن التعبئة الأيديولوجيَّة؛ فهي تُدرِّس قِيَم المواطنة المشتركة مثل: التَّماسُك المُجتمعي، والبناء الوطني، والمسؤوليَّة، وربطها بالتنمية والعمل والإنتاج، بعيدًا عن تلقين الطلبة التوجُّهات السياسيَّة أو الخِطابات الأيديولوجيَّة التعبويَّة؛ لِيخلقَ فيهم جيلًا يتَّسم بالانضباط المَدَني، والشعور القوي بأنَّ المسؤوليَّة على الجميع، وأنَّ المشاركة المُجتمعيَّة يَجِبُ أن تُمارس لا أن تكُونَ شعارات تُحفظ من المحتوى الدراسي لتُختزلَ لاحقًا في الاختبارات التحصيليَّة.

فحينما يحيّد التعليم ويكُونُ أداة سياسيَّة مباشرة فإنَّه يفقد أثَره وقِيمته في نفوس النَّشء، وعلى النَّقيض من ذلك حينما يفتح مسارات النقاش والحوار والجدليَّة العلميَّة في كثير من القضايا المحيطة دُونَ تغييب الأجيال عمَّا يَدُور حَوْلَهم فإنَّه يُحقِّق قِيمته ورسالته بوعي أخلاقي كبير، ويدفعهم للمشاركة في الحياة المَدَنيَّة ويبني جسور الثقة بَيْنَ الفرد ومؤسَّسات الدَّولة ومُجتمعه.

وفي السياق العُماني، من الصعب عزل السؤال الَّذي بدأنا به عن التحوُّلات المتسارعة الَّتي تشهدها الدَّولة في ظل قيادة جديدة تتلو الخطوات بعضها البعض وفْقَ خريطة طريق وطنيَّة كبرى رؤية «عُمان 2040» والَّتي مَن يتفحَّص تفاصيلها يجد أنَّها لا تجعل من التعليم قِطاعًا خدميًّا فحسب، بل تدفع بأن يكُونَ منبرًا كبيرًا يُسهم في بناء الإنسان والمُجتمع. فالتفاصيل تتحدث عن الهُوِيَّة، والمواطنة، والقِيَم وربطها باقتصاد المعرفة؛ ممَّا يَشي بأنَّ هذا المزج يعكس وعيًا بأنَّ التعليم لا يُمكِن أن يكُونَ محايدًا أخلاقيًّا مطلقًا ولا أداة سياسيَّة ناعمة مُوجّهة.

ومَن يُسبر أغوار الخِطابات الوطنيَّة الرَّسميَّة أو الميدانيَّة لجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ منذ تولِّيه مقاليد الحُكم يجدها تضع إطارًا عامًّا يعكس هذا التوازن في التعليم، فخِطاباته السَّامية ركَّزت على التفكير الناقد للأجيال، والاندفاع نَحْوَ التعليم الحديث، والسَّعي لبناء وتطوير القدرات، كُلُّ ذلك بلُغة هادئة موزونة بعيدة عن التلقين والتَّوجيه المباشر احترامًا للعقول، وإيمانًا بالوعي المُجتمعي بعيدًا عن التبعيَّة المُطْلقة أو التعبئة المشحونة. وهنا تبرز قِيمة هذه الخِطابات بأنَّها تحاول أن تجعلَ من التعليم شريكًا فاعلًا في التنمية الوطنيَّة، لا أن يكُونَ مرآةً تعكس الأوامر والتوجيه للقيادة فحسب.

إلَّا أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في التوجُّهات والسياسات والخطط والاستراتيجيَّات، بل في الممارسة والمحتوى الدراسي؛ إذ تتسع الفجوة الصَّامتة حينما تُقدَّم القِيَم الوطنيَّة بنمطيَّة الشعارات الجاهزة، وتُغذَّى بالتلقين والحفظ دُونَ التجربة، هنا يتحول التعليم الأخلاقي إلى حشو معلومات تُترجم لممارسات شكليَّة يُمكِن وصفه بـ»السذاجة التعليميَّة» بحيثُ لا يُمكِن وضع سياق مَدَني لممارستها في الواقع. فالتغيُّرات الهيكليَّة الَّتي شهدتها الدَّولة مؤخرًا من إعادة تنظيم الجهاز الإداري، وتحديث مراكز صنع القرار، وربط أغلب القِطاعات برؤى اقتصاديَّة واجتماعيَّة؛ تضع التعليم أمام مسؤوليَّة أكبر؛ فالدَّولة في إعادة ترتيب أولويَّاتها تحتاج إلى نظام تعليمي يُنتج مواطنًا يعي ما حَوْلَه من تحوُّلات كبرى، لا أن يكُونَ وعاءً يُملؤ حسب الطلب، فلا يُمكِن أن تتحققَ أهداف رؤية «عُمان 2040»، وأن نوائمَ توجُّهات الخِطابات السَّامية ونحن نجعل من التعليم أداةً لتبرير السياسات، بل يَجِبُ أن يكُونَ فضاء رحبًا لإنتاج وعي نقدي منضبط بالقِيَم.

وبالعودة إلى التجارب الدوليَّة الَّتي يُمكِن أن تفيدَنا في صناعة تعليمنا ومحتوى مناهجنا ومعاييرنا الوطنيَّة، نجد أنَّ دول شمال أوروبا ـ على سبيل المثال ـ لم تتخلَّ عن التربية الوطنيَّة، بل أعادت هندستها بدلًا من أن تكُونَ مادَّة دراسيَّة تُحفظ وتُفرَّغ في الاختبارات التحصيليَّة إلى مُناخ مدرسي تُمارس فيه مفاهيم الحياة المَدَنيَّة بالحوار، ومجالس الطلبة التشريعيَّة المُصغَّرة، والانتخابات، والمظاهرات المسؤولة البنَّاءة. وخطَتْ دول آسيا الصَّاعدة هذا المسار بربط الهُوِيَّة الوطنيَّة بالمسؤوليَّة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والممارسات النموذجيَّة للحياة السياسيَّة بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجيَّة والتشوّه الفكري المتصلب؛ لِتنتجَ جيلًا منضبطًا ومبادرًا ومبتكرًا.

وفي ختام مقالنا نطرح سؤالًا جوهريًّا: هل التعليم في عُمان مشروع أخلاقي؟ أم أداة سياسيَّة؟

وبتحليل سريع لِمَا ورَدَ في النظام الأساسي للدَّولة، أو خِطابات جلالة السُّلطان، أو رؤية «عُمان 2040»، أو الاستراتيجيَّة الوطنيَّة للتعليم 2040، أو الوثائق الأخرى الصادرة عن وزارة التعليم والمؤسَّسات ذات الصِّلة نجدها تُظهر أنَّ الفلسفة التعليميَّة العُمانيَّة ـ نظريًّا ـ تُغلّب لُغة التوازن بَيْنَ المسارَيْنِ من خلال خلق تعليم يحافظ على الهُوِيَّة الوطنيَّة وينفتح على العالَم المحيط، ويذلِّل العقبات في سبيل التطوير والتنمية، إلَّا أنَّ التحدِّي الكبير والحقيقي يكمن في التفاصيل ـ عمليًّا ـ من خلال الممارسات اليوميَّة في محتوى المناهج الدراسيَّة، وفي تدريب المُعلِّمِين وتحقيق حقوقهم الكاملة، وفي طريقة إدارة المدرسة الفاعلة بأن تكُونَ قياديَّة مسؤولة، وفي مساحة الحوار الممنوحة للطالب.

د. سلطان بن خميس الخروصي

كاتب عُماني

[email protected]