بتاريخ الأول من ديسمبر 2018م نُشِرت ليِ دراسة مُحكمة بعنوان: الثقل الجيواقتصادي للشرق الأوسط والخليج العربي ودَوْره في تغيير خريطة الصراعات والتدخلات بالقرن الـ(21). نُشرت هذه الدراسة بمجلَّة الباحث الأكاديمي في العلوم القانونيَّة والسياسيَّة (الجزائر)، ع1، سبتمبر 2018م، من ضِمن ما ورد في هذه الدراسة النقاط التالية:
أولًا: مستقبل الكثير من السياسات والعلاقات الدوليَّة والتوجُّهات الكبرى في النظام العالَمي القائم والقادم سيتشكل من خلال تلك التحوُّلات الجيواقتصاديَّة والجيوسياسيَّة الَّتي ستحدث في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ودول أميركا الجنوبيَّة وعلى رأسها حقول النفط.
ثانيًا: الصراعات والحروب القادمة ستُحركها عوامل المنافسة والتدخلات الدوليَّة في دول الطاقة، خصوصًا الدول الَّتي تحتضن مصادر الطاقة والَّتي يقع على رأسها الذَّهب الأسود «النفط»، وبالفعل بدأ ذلك بدول النفط العربيَّة مثل ليبيا والعراق، واليوم يتمُّ العمل على إيران، وبعدها من غير المستبعد أن يتمَّ التحوُّل إلى الدول الخليجيَّة النفطيَّة، ومن غير المستبعد أن تعملَ الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة خلال المراحل القادمة على إعادة النظر في وجودها بالقارَّة الإفريقيَّة، خصوصًا في دول مثل غانا ومالي، السودان وموريتانيا لامتلاك هذه الدول جزءًا كبيرًا من الذهب الَّذي هو الآخر سيكُونُ مصدر صراع خلال المرحلة القادمة. ثالثًا: السيطرة على طُرق النفط، ومن ضِمنها مضيق هرمز، بطريقة أو بأخرى، وليس أفضل من تدخُّل أميركي في المنطقة يُحقق لها ذلك، حيثُ يُعَدُّ مضيق هرمز المجال الحيوي للاستيراد والتصدير، والمنفذ الوحيد للخليج العربي من جهة، وأحد أهم الأوراق الرابحة للنفاذ نَحْوَ موارد القوَّة والسُّلطة والنفوذ الجيوسياسي والجيواقتصادي للكثير من القوى الدوليَّة الكبرى والقاريَّة والإقليميَّة في القرن الـ(21)، وليس بالضرورة أن يكُونَ التدخل عسكريًّا، فالأهم هو خضوع وسيطرة الولايات المتحدة الأميركيَّة بطريقة أو بأخرى على هذا النوع من المعابر الاستراتيجيَّة المهمَّة.
رابعًا: سياسة ترامب التجاريَّة تعمل على إعادة ترتيب أوراق الأمن القومي الأميركيَّة من خلال الاقتصاد، وهذا الأمر يدفع باتِّجاه عدم قَبول سيطرة أيِّ دَولة في العالَم باستثناء الولايات المتحدة الأميركيَّة على مصادر الطاقة بهدف عدم تكرار مسألة حرب أكتوبر 1973، وهو ما أكَّده جيمس وولسي R.James Woolsey الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات الأميركيَّة في نوفمبر من العام 2002 بقوله «لن نسمح بمثل هذه الأعمال مطلقًا، وإنَّ مَن يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الأخطاء الاستراتيجيَّة في منع النفط عن أميركا لا بُدَّ أن يعاقب وبِدُونِ تردُّد، وإنَّ قوَّاتنا العسكريَّة ستكُونُ جاهزة للتحرُّك في أيِّ مكان في منطقة الشرق الأوسط من أجْلِ تأمين مصالحنا الاستراتيجيَّة».
على ضوء ما سبق من الملاحظ أنَّ تحرُّكات الرئيس الأميركي ترامب مدروسة وبشكلٍ استراتيجي وفْقَ توجُّهات أميركيَّة قديمة بدأت تقريبًا في العام 1990م، تَقُوم على الركائز التاليَّة:
أولًا: السيطرة على حقول نفط فنزويلا، إيران، دول الخليج، بالتَّالي السيطرة على الجزء الأكبر من نفط العالَم، وهذا السيناريو يَسِير بكُلِّ هدوء هذه الأيَّام، حيثُ تمَّ السيطرة على النفط الفنزويلي، والآن يتمُّ التحرك باتِّجاه إيران، ولا يُستبعد بعدها وخلال فترة ترامب الراهنة العمل على سيناريو السيطرة على نفط الخليج ولو بالطُّرق الاقتصاديَّة والتجاريَّة عَبْرَ سياسة التهديد والصدمة.
ثانيا: شراء أكبر قدر ممكن من الذهب، ثمَّ التحكم بأسعاره، عَبْرَ رفعه إلى أكبر قدر ممكن، ثمَّ بيع جزء من مخزون الذهب الأميركي بهدف سداد الديون وتمويل المشاريع، بعدها يتمُّ ضرب أسعار النفط وانهياره، بالتَّالي تكُونُ الولايات المتحدة الأميركيَّة باعتْ ذهبها بأعلى سعر، وسدَّدتْ ديونها وضرب الدول الدائنة.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @