جُبل الإنسان بطبيعته على حُب التجمُّعات واللقاءات بَيْنَه وبَيْنَ أناس تربطه بهم علاقة صداقة أو عمل أو أيُّ نوع من العلاقات البشريَّة دُونَ استثناء؛ ذلك أنَّ الإنسان ـ كما يُقال ـ اجتماعي بطبعه، فهو لا يُحب العزلة في العموم إلَّا إذا كان هنالك هدف محدَّد لها، بل يسعى للتواصل واللقاء؛ لأنَّ الحضارة الإنسانيَّة أصلًا قامت على مبدأ التواصل، سواء بَيْنَ الأشخاص كأفراد أو كمجموعات تُمثِّل حضارات ودول على مرِّ الأزمان.. إذن هي فطرة إنسانيَّة له شواذ في قليل من الأحيان، ولكن تظل هذه الميزة إنسانيَّة الأصل والطابع.
نكرر اللقاء للسَّنة السابعة على التوالي نحن طلبة كُليَّة التربية بصحار ـ فرع التاريخ بعد مُضي إحدى وثلاثين سَنة على أول لقاء جمعنا، نستعيد الذكريات ونجدِّد الأحاديث والحكايات، نطمئن على بعض، نعرف تفاصيل حياة كُلٍّ منَّا في الحدود الَّتي يسمح بها الحديث، نشعر كأنَّنا أُسرة واحدة تجتمع سنويًّا لِتتزودَ بالوقود الَّذي يساعدها على الاستمراريَّة بكُلِّ حُب وشوق.. الوقود الَّذي عجزت عن توفيره جماعات أخرى لها نفْس الخصائص والسِّمات الَّتي نتميَّز بها. والسؤال هنا: ما هو الرابط الَّذي استطاع أن يجمعنا نحن، ولم يفلح فيه الآخرون، رغم تشابُه الظروف من حيثُ الزمان والمكان؟ هل فكرة التواصل تختلف من شخص لآخر؟ بمعنى مدى الرغبة الَّتي يشعر بها للتواصل مع غيره، وبالتالي توافرت هذه الخاصيَّة لدى غالبيَّة مجموعتنا دُونَ غيرها، حيثُ لا ننكر أنَّ هنالك مَن لم يحضر لحدِّ الآن هذا التجمُّع وهو في سنَته السابعة، ولكن لم يتجاوز العدد سوى شخص واحد فقط، والمحاولات لم تتوقف لعمليَّة استعادته من انعزاليَّته ووحدته ودمجه في المجموعة؟ هل لأنَّنا كنَّا في سنوات الدراسة في مجموعة واحدة لم تنفصل أبدًا؟ سواء كنَّا في قاعات المحاضرات أو ممرَّات الكُلِّيَّة أو حتَّى مطعمها؟ هل هذا سببٌ مُهمٌّ لمواصلة هذا التجمُّع؟ أم أنَّنا لم نتجمع في البدايات، وعندما طرحت الفكرة كانت النفوس عطشى للتواصل ومعرفة أخبار البقيَّة واستعادة الماضي وبالتَّالي كانت الفكرة أكثر نضوجًا؟ أسئلة كثيرة لم أستطع أن أحدِّد من خلالها السَّبب الرئيس، ولكن أعتقد أنَّ الأمر مرتبط بمجموعة أسباب لا سبب واحد فقط.
أيضًا هل الرغبة في التواصل مهارة تتطلب تدريبًا وتنشئة منذ الصغر حالها حال بقيَّة المهارات الَّتي نعرفها؟ هل هي فطريَّة؟ أم مكتسبة؟ أسباب كثيرة متشعبة ومتداخلة، ولكنَّها في النهاية في اعتقادي الشخصي تتجمع لتؤدي إلى اكتساب هذه المهارة إذا جاز لنا أن نطلق عليها مهارة وأكاد أجزم أنَّها كذلك؛ لأنَّ القدرة على التواصل من المهارات المدرجة أساسًا في مهارات القرن الحادي والعشرين.. وتاريخيًّا هي الأساس الَّذي قامت عليه الحضارات الإنسانيَّة، ولكن امتزاج الفطرة بالممارسة هو مَن يكسبها التميُّز الَّذي يميِّز شخصًا عن آخر. ولذلك يُعَدُّ أحد الذَّكاءات الَّتي أشار لها جاردنر في نظريَّته المعروفة والخاصَّة بتعدُّد الذَّكاءات. إذن نحن أمام مهارة يختلف مستواها من شخص لآخر ولكنَّها موجودة لدى الجميع، وهنالك عوامل تساعد على تميُّزها وأخرى على تثبيطها، ويظل الشخص هو سيِّد الموقف بمدى قدرته على التوافُق النفْسي الداخلي والخارجي المرتبط ببقيَّة أفراد المجموعة.
لا أستطيع أن أصف مقدار الشعور بالشوق للقاء أفراد هذه المجموعة، وأنا أكتُب هذا المقال قَبل موعد توجُّهي للمكان المحدَّد بحوالي ساعتين، شعور أقل ما يوصف بأنَّك تستقبل أفرادًا من أُسرتك سافروا لمدَّة سنَة، وها هم عائدون وأنْتَ ذاهب لاستقبالهم في صالة المطار، شعور العودة، شعور لا يُمكِن وصفه إلَّا لِمَن جرَّبه، شعور ينمُّ عن تآلف، عن رغبة في إيجاد تواصل وودٍّ يبقى ما كان في العمر بقيَّة؛ فالحياة تظل رحلة والأجمل كيف تعيش هذه الرحلة بكُلِّ شغف وحُب، فليس هنالك متسع لهولوكوست جديد.
د. خصيب بن عبدالله القريني