تشهد التجربة الاقتصاديَّة الوطنيَّة في السنوات الأخيرة تحوُّلًا تدريجيًّا في طريقة التعاطي مع الاستثمار بشكلٍ عام، حيثُ خرج التركيز من حجم المشروعات أو سرعة الإعلان عنها، وتركز على نوعيَّة القرارات وقدرتها على بناء أثَر مستدام داخل الاقتصاد الوطني، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا لِدَوْر الدَّولة كمنظِّم وبانٍ للقدرة الإنتاجيَّة، وتخطّي فكرة أنَّ تكُونَ الدَّولة مموِّلًا مؤقتًا لِدَوْرات تشغيليَّة قصيرة الأمد. ومن هذا المنطلَق تصبح بعض المشروعات مؤشِّرات على مسار أوسع، أكثر ما تكُونُ أرقامًا استثماريَّة، لِتتقدمَ قِيَم مثل الامتلاك، والتكامل، ونقل المعرفة بوصفها أدوات استراتيجيَّة لإدارة الاقتصاد الَّذي يسعى نَحْوَ التنويع.. ومن هنا تُقرأ اتفاقيَّة بناء أوَّل قاطرة بحريَّة تُصنع داخل سلطنة عُمان لصالح الشركة العُمانيَّة للغاز الطبيعي المسال؛ بوصفها خطوة عمليَّة ضِمن هذا المسار، تعكس انتقال التفكير من إدارة الاحتياج إلى بناء الأصل، ومن الاكتفاء بالخدمة إلى امتلاك أدواتها داخل المنظومة الوطنيَّة، بالإضافة إلى توطين صناعات جديدة، تبني منظومة جديدة ترتبط بها.
وانطلاقًا من تلك الرؤية العامَّة، يُمكِن قراءة اتفاقيَّة بناء أوَّل قاطرة بحريَّة تُصنَّع داخل سلطنة عُمان لصالح الشركة العُمانيَّة للغاز الطبيعي المسال؛ بوصفها ترجمة عمليَّة لِتحوُّل أعمق في منطق الاستثمار الوطني؛ فالمشروع لا يكتفي بتلبية احتياج تشغيلي، لكنَّه يُعِيد صياغة العلاقة بَيْنَ الإنفاق والقدرة عَبْرَ تحويل الطلب إلى فرصة لبناء أصلٍ صناعي داخل المنظومة المحليَّة، وهو ما يربط بَيْنَ القرار الاستثماري وبناء المعرفة الفنيَّة، ويُعزِّز أيضًا الاعتماد على المنصَّات الوطنيَّة القادرة على تنفيذ أُصول عالية القِيمة وفْقَ معايير دوليَّة، خصوصًا في القِطاعات المرتبطة بالطاقة والخدمات البحريَّة، حيثُ تمتلك سلطنة عُمان موقعًا استراتيجيًّا متفردًا.. وفي هذا الإطار تتحول القاطرة من أداة تشغيل إلى عنصر ضِمن مسار أشمل يسعى إلى ترسيخ الامتلاك، وتوسيع قاعدة التصنيع، ودعم التنويع الاقتصادي على أُسُس إنتاجيَّة مستدامة.
وعلى مستوى الأثَر الاقتصادي المباشر، تخرج الاتفاقيَّة من الإطار الرمزي إلى نطاق النتائج القابلة للقياس، حيثُ يُنتظر أنْ يبلغَ المحتوى المحلِّي في تنفيذ المشروع نَحْوَ (50) بالمئة، وهو مؤشِّر يعكس انتقال القِيمة من خارج الاقتصاد إلى داخله، وهو ما يتَّسق مع ما حقَّقته «أسياد للحوض الجاف» خلال عام 2025، حين بلغ إجمالي الصرف المحلِّي نَحْوَ (46) مليون ريال عُماني، منها ما يقارب (7.8) مليون ريال عُماني وجّهت إلى المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، بما يؤكِّد أنَّ بناء الأُصول البحريَّة لم يَعُدْ نشاطًا صناعيًّا معزولًا، ويتحول إلى رافعة لِدَوْرة اقتصاديَّة أوسع، كما يعكس المشروع قدرة المنصَّات الوطنيَّة على تحويل التزامات القِيمة المحليَّة المضافة إلى نتائج تشغيليَّة، خصوصًا مع تجاوز نِسَب التعمين لدى مزوِّدي الخدمات (85) بالمئة، وتوجيه الجزء الأكبر من سلاسل الإمداد إلى شركات مسجَّلة محليًّا. ومن هذا النطاق، تكتسب القاطرة البحريَّة معناها الحقيقي بوصفها أصلًا منتجًا، وأداةً لقياس مدى ارتباط الاستثمار بالاقتصاد الوطني، لا بحجمه الاسمي.
إنَّ المشروع في محصِّلته النهائيَّة يُقدِّم نموذجًا عمليًّا لكيفيَّة تحويل القرارات الاستثماريَّة إلى مسارات قابلة للتراكم والبناء، لا إلى إنجازات منفردة تستهلك رمزيًّا؛ فبناء القاطرة البحريَّة محليًّا يفتح الباب أمام توطين صناعات بحريَّة أكثر تعقيدًا، ويُعزِّز قابليَّة تكرار التجربة في أُصول أخرى مرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستيَّة، بما يدعم بناء قاعدة صناعيَّة بحريَّة مستدامة. الأهميَّة هنا تتجاوز المشروع ذاته، لِتكمنَ في ما يؤسِّسه من منطق جديد يرى في الجغرافيا العُمانيَّة منصَّة إنتاج، وفي البنية الأساسيَّة استثمارًا طويل الأمد، وفي الشراكات وسيلةً لنقْلِ المعرفة لا استيراد الحلول.. بهذا المعنى تتحول الدقم من نقطة عبور إلى مركز تصنيع، ويتحول الاستثمار من استجابة لحاجة إلى أداة تموضع اقتصادي، يرسِّخ دَوْر السَّلطنة داخل سلاسل القِيمة الإقليميَّة، ويُعزِّز قدرتها على إدارة مستقبلها الصناعي بثقة واستقلاليَّة.